حذر الكاتب والناطق السابق باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” سامي مشعشع من تصاعد ما وصفها بحملة أمريكية إسرائيلية منسقة تستهدف إنهاء عمل الوكالة الدولية، معتبراً أن الهدف الحقيقي لا يقتصر على تفكيك المؤسسة الأممية، وإنما يمتد إلى شطب قضية اللاجئين الفلسطينيين من الأجندة السياسية الدولية وإنهاء أي أساس مؤسسي لحق العودة.
وأوضح مشعشع، في مقال تحليلي، أن النقاش داخل الولايات المتحدة لم يعد يدور حول إصلاح وكالة “الأونروا” أو تعديل آليات عملها، بل أصبح يتركز على مستقبل وجودها نفسه، مشيراً إلى أن مشروع قانون مطروح أمام الكونغرس الأمريكي يحمل اسم “استبدال الأونروا بالمساعدات الإنسانية الحقيقية” يمثل أحدث حلقات هذا التوجه.
وبحسب المشروع، ستتولى وزارة الخارجية الأمريكية إعداد تصور للجهة التي ستخلف وكالة “الأونروا” في إدارة الخدمات التي تقدمها للاجئين الفلسطينيين، في حال إنهاء عملها، وهو ما اعتبره الكاتب مؤشراً على انتقال النقاش من مرحلة الضغط على الوكالة إلى مرحلة التخطيط لعالم يخلو من وجودها.
وأشار إلى أن مشروع القانون قد لا يقر بصيغته الحالية، إلا أن الفكرة التي يقوم عليها أصبحت، بحسب تعبيره، أساساً للتحركات السياسية في واشنطن، حيث يجري التعامل مع إنهاء عمل الوكالة باعتباره خياراً مطروحاً يجري الإعداد له.
ورأى أن إنهاء “الأونروا” لا يستهدف المدارس أو المراكز الصحية أو برامج الإغاثة التي تديرها الوكالة، إذ يمكن نظرياً نقل هذه الخدمات إلى مؤسسات أخرى، وإنما يستهدف الدور السياسي والقانوني الذي تمثله باعتبارها المؤسسة الدولية التي تجسد استمرار قضية اللاجئين الفلسطينيين وعدم التوصل إلى حل عادل لها منذ أكثر من سبعة عقود.
وأكد أن وكالة الغوث لم تنشئ حق العودة، لأن هذا الحق مستند إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها القرار 194، إلا أنها ظلت طوال أكثر من 75 عاماً التعبير المؤسسي عن مسؤولية المجتمع الدولي تجاه اللاجئين الفلسطينيين إلى حين التوصل إلى حل سياسي عادل لقضيتهم.
وأضاف أن استبدال الوكالة بأي مؤسسة أخرى قد يضمن استمرار تقديم الخدمات الإنسانية، لكنه سيؤدي إلى اختفاء المؤسسة الوحيدة التي تجسد الاعتراف الدولي باستمرار قضية اللاجئين باعتبارها قضية سياسية لم تحل بعد.
وأشار مشعشع إلى أن الحملة ضد “الأونروا” تسير بالتوازي على ثلاثة مسارات رئيسية، أولها قطاع غزة، حيث تعرضت الوكالة، بحسب وصفه، لأكبر هجوم في تاريخها، بعد استشهاد مئات من موظفيها، وتدمير عشرات المدارس والعيادات والمخازن التابعة لها خلال العدوان الإسرائيلي على القطاع.
أما المسار الثاني، فيتعلق بمدينة القدس، حيث أقدمت سلطات الاحتلال على الاستيلاء على المقر التاريخي للوكالة وهدمه، منهية بذلك وجودها التشغيلي داخل المدينة.
وفي الضفة الغربية، أشار إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس أدت إلى تهجير عشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين مرة أخرى، معتبراً أن هذه التطورات تشكل حلقات متكاملة في حملة واحدة تستهدف الوكالة وقضية اللاجئين معاً.
وانتقد مشعشع أداء قيادة الأمم المتحدة ووكالة “الأونروا”، معتبراً أنها اكتفت بالتعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة إنسانية، عبر إحصاء الشهداء وتوثيق الدمار والمطالبة بتمويل إضافي، من دون إطلاق تحرك قانوني أو سياسي واسع لمحاسبة الاحتلال على استهداف موظفي الوكالة ومنشآتها.
وأضاف أن الوكالة تبنت خلال السنوات الأخيرة خطاباً يركز على المساعدات الإنسانية والأمن الغذائي والدعم المالي، بينما تراجع حضور المفاهيم التي ارتبطت تاريخياً برسالتها، مثل الحماية المؤقتة والقرار 194 والمسؤولية الدولية وحق العودة.
ورأى أن هذا التحول جعل “الأونروا” أكثر عرضة للاستبدال، بعدما انتقلت تدريجياً من مؤسسة ذات بعد سياسي إلى مؤسسة تقدم خدمات إنسانية فقط.
كما وجه الكاتب انتقادات إلى المؤسسات الفلسطينية، معتبراً أنها لم تبلور حتى الآن استراتيجية متكاملة للدفاع عن الوكالة، سواء على المستوى القانوني أو الدبلوماسي أو البرلماني أو الشعبي، رغم خطورة المرحلة التي تمر بها قضية اللاجئين.
وأشار إلى أن أرشيف “الأونروا” يشكل أحد أخطر الملفات المرتبطة بمستقبل الوكالة، لأنه يضم ملايين الوثائق والسجلات الخاصة باللاجئين الفلسطينيين وقراهم وأملاكهم وتاريخ تهجيرهم، مؤكداً أن ضياع هذا الأرشيف أو انتقاله إلى جهة أخرى يعني خسارة الذاكرة المؤسسية التي توثق قضية اللاجئين منذ النكبة.
وختم مشعشع بالقول إن قضية اللاجئين الفلسطينيين قد لا يتم إنهاؤها بقرار واحد، وإنما عبر سلسلة متدرجة من الإجراءات الإدارية والقانونية والمالية وإعادة هيكلة المؤسسات، محذراً من أن ما يجري اليوم يستهدف في جوهره تحويل قضية اللاجئين من قضية سياسية ترتبط بحقوق تاريخية وقانونية إلى ملف إنساني يقتصر على تقديم المساعدات.





