يحاول أقطاب أحزاب اليمين المتطرف في إسرائيل الدفع بخطط تهجير سكان غزة وسط رفض دولي وتأكيدات عربية على اعتبار التهجير خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
وق أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجددًا اقتراحه بـ “تطهير” غزة من خلال إزالة الفلسطينيين الذين يعيشون هناك ونقلهم إلى الأردن ومصر، وهي خطة أثارت استياء بعض الحلفاء لكنها لقيت تأييدًا سريعًا من اليمين الإسرائيلي المتطرف.
وبعد أن طرح الفكرة لأول مرة يوم السبت، عمّق ترامب موقفه يوم الاثنين قائلًا عن سكان غزة: “أود أن أجعلهم يعيشون في منطقة يمكنهم العيش فيها دون اضطرابات وثورات وعنف بشكل كبير.”
ولم يوضح ترامب ما إذا كانت هذه الهجرة ستكون طوعية أم لا. وفقًا للأمم المتحدة، فإن التهجير القسري للمدنيين “يمكن أن يشكل جريمة حرب و/أو جريمة ضد الإنسانية” حسب السياق.
وأضاف ترامب يوم الاثنين: “أعتقد أنه يمكنكم نقل الناس للعيش في مناطق أكثر أمانًا وربما تكون أفضل وأكثر راحة لهم.”
ولم يصدر أي رد رسمي من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، لكن الفكرة لقيت ترحيبًا من قبل السياسيين اليمينيين المتطرفين في إسرائيل.
قال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، زعيم حزب “الصهيونية الدينية”، إن ترامب أدرك أن غزة “أرض خصبة للإرهاب”، مضيفًا: “لا شك أن تشجيع الهجرة هو الحل الوحيد الذي سيحقق السلام والأمن لسكان إسرائيل، وسيخفف معاناة سكان غزة العرب.”
وأشار سموتريتش، الذي يشغل أيضًا منصبًا وزاريًا في وزارة الدفاع، إلى أنه يعمل على خطة لتنفيذ رؤية ترامب. وقال: “عندما يريد شيئًا، فإنه يحدث.”
ومنذ عام 2023، دعا سموتريتش إلى ما يسميه “الهجرة الطوعية للعرب في غزة إلى دول حول العالم.”
لكن فكرة التهجير، سواء كانت طوعية أم لا، تعتبر مرعبة بالنسبة للأردن ومصر، ومن المرجح أن تثير قلق حلفاء آخرين للولايات المتحدة في العالم العربي، حيث تهدد عقودًا من الإجماع الدولي على حق الفلسطينيين في وطنهم.
قال وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي يوم الأحد: “الأردن للأردنيين وفلسطين للفلسطينيين”. وأضاف: “رفضنا للترحيل ثابت ولا يتغير.”
بينما أشار ترامب إلى أن إزالة الفلسطينيين قد تكون “مؤقتة أو طويلة الأمد”، يؤكد المنتقدون العرب أن الفلسطينيين لم يُسمح لهم أبدًا بالعودة إلى أراضيهم بمجرد تهجيرهم من قبل إسرائيل.
ولن تقبل مصر أو الأردن أبدًا بأن يكونا جزءًا من تكرار النكبة الفلسطينية عام 1948، عندما أُجبر حوالي 700,000 فلسطيني على مغادرة منازلهم مع قيام دولة إسرائيل. تكرار مثل هذا السيناريو سيكون بمثابة إقرار ودعم للتطهير العرقي.
ومثلما تأمل الدنمارك في أن يتخلى ترامب عن أفكاره بشأن السيطرة الأمريكية على غرينلاند، فإن الدول العربية المعتدلة ستأمل أن ينسى الرئيس الأمريكي فكرة نقل سكان غزة.
ولم يفُت الأمر على وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي قال في مقابلة مع Sky News يوم الثلاثاء: “لا يمكن محو فلسطين، ولا يمكن طرد الفلسطينيين. اقتراحي: بدلًا من طرد الفلسطينيين، جربوا طرد الإسرائيليين إلى غرينلاند. خذوهم إلى غرينلاند، وبذلك تضربون عصفورين بحجر واحد.”
ومن المرجح أن تسعى الأردن ومصر إلى التنسيق مع حلفائهما في الخليج، خاصة السعودية والإمارات، لتقديم موقف موحد.
حتى الآن، لم تُصدر السعودية والإمارات أي تعليق علني بشأن خطة ترامب. كما أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لم يتحدث عن مكالمته مع ترامب يوم السبت.
لكن الديوان الملكي الأردني نشر بيانًا حول مكالمته مع وزير الخارجية الأمريكي الجديد ماركو روبيو يوم الاثنين، في خطوة قد تكون محاولة لاحتواء الضرر.
وجاء في البيان أنهما ناقشا سبل “تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي… ووسائل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الأردن والولايات المتحدة، فضلاً عن الحرص على استمرار التنسيق والتشاور بشأن القضايا المختلفة.”
وفي القاهرة، كان الرد أكثر غموضًا. إذ نفى مسؤول مصري كبير أن الرئيس عبد الفتاح السيسي تحدث مع ترامب، على الرغم من تأكيد ترامب يوم الاثنين أنهما تحدثا.
وعندما سُئل ترامب عما إذا كان الرئيس المصري قد أعرب عن رأي بشأن قبول المزيد من اللاجئين الفلسطينيين، قال: “إنه في منطقة صعبة للغاية، بصراحة، كما يقولون، إنه حي صعب، لكنني أعتقد أنه يمكنه القيام بذلك.”
وأضاف المسؤول المصري أن البيانات الرسمية حول المكالمات بين الرئيس المصري وزعماء الدول يتم نشرها عندما تحدث. لم يصدر القصر الرئاسي المصري أي تعليق على أي مكالمة، كما لم يُصدر البيت الأبيض أي بيان حولها.
وترامب يبدو أنه أشار ضمنيًا إلى اعتقاد بعض الإسرائيليين بأن غزة “ليست أرضًا فلسطينية أصلاً.”
قال يوم الاثنين: “تعلمون، عندما تنظرون إلى قطاع غزة، فقد كان جحيمًا لسنوات عديدة، ويبدو أنه كان نقطة انطلاق لحضارات مختلفة قبل آلاف السنين.”
وهذا التصريح للرئيس الأمريكي يتوافق تمامًا مع وجهة نظر شخصيات مثل وزير الأمن القومي الإسرائيلي السابق إيتمار بن غفير، زعيم حزب “القوة اليهودية”.
وستشجع تصريحات ترامب أيضًا الجماعات الإسرائيلية اليمينية، مثل حركة نحالا، التي تدعو إلى إقامة مستوطنات إسرائيلية في غزة.
قالت دانييلا فايس، زعيمة حركة نحالا، لـ CNN العام الماضي: “لن يبقى أي عربي هناك، أتحدث عن أكثر من مليوني عربي. نحن اليهود سنكون في غزة.”
و بعد عام من الاضطرابات الجذرية في الشرق الأوسط، فإن مجرد الحديث عن إمكانية تهجير ملايين الفلسطينيين هو مصدر محتمل لمزيد من عدم الاستقرار.
وسبق أن حذر السيسي من أن استقبال الغزيين في مصر سيهدد اتفاق السلام مع إسرائيل، بسبب احتمال أن يستأنف بعضهم القتال ضد إسرائيل من داخل مصر.
أما بالنسبة للأردن، فإن الخطر وجودي. يستضيف الأردن بالفعل أكثر من مليون لاجئ من الدول المجاورة، بالإضافة إلى حوالي 2.4 مليون لاجئ فلسطيني مسجلين.
لكن الأردن لا يستطيع تجاهل فكرة ترامب تمامًا. فالدولة التي تعاني من شح الموارد، بلغ عجز ميزانيتها لعام 2023 حوالي 5.1٪ من ناتجها المحلي الإجمالي، كما أن 20٪ من القوى العاملة عاطلون عن العمل.
والأردن هو ثاني أكبر متلقٍ للمساعدات الأمريكية في الشرق الأوسط بعد إسرائيل، حيث تلقى أكثر من 1.7 مليار دولار في عام 2023.
وقال ترامب يوم الاثنين عن السيسي: “أتمنى أن يأخذ بعضهم (الفلسطينيين). نحن نساعدهم كثيرًا، وأنا متأكد من أنه يمكنه مساعدتنا، إنه صديقي.”
زإذا واصل ترامب الضغط من أجل فكرته، فقد يؤدي ذلك إلى إجهاض خطته لتوسيع اتفاقيات أبراهام لتشمل تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية، والتي تشكل حجر الزاوية في سياسته للشرق الأوسط.
وعلى الرغم من علاقته الوثيقة بترامب، أكد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مرارًا أن التطبيع مرتبط بإقامة دولة فلسطينية فيما فكرة إفراغ غزة من سكانها لا تتوافق مع هذا الشرط.





