يثير تصاعد هجرة العقول من إسرائيل جدلًا واسعًا في الشارع الإسرائيلي ووسائل الإعلام العبرية والأوساط الأكاديمية، عقب إعلان المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي بالتعاون مع المجلس الوطني للبحث والتطوير هجرة نحو 55 ألفًا من خريجي الجامعات والكليات خلال عامي 2023–2024، أي ما يعادل 6.2% من إجمالي الخريجين، ونحو 12% من حملة شهادات الدكتوراه خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
وأظهرت المعطيات الرسمية أن النزيف كان أشد في القطاعات العلمية الحيوية، إذ بلغت نسبة الهجرة 25% بين حملة الدكتوراه في الرياضيات، و22% في علوم الحاسوب، و8% بين خريجي الطب، وهي مجالات تُعد العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي القائم على التكنولوجيا المتقدمة والابتكار.
وتعكس هذه الأرقام تنامي ظاهرة “الهجرة العكسية” بين الإسرائيليين، ما أثار قلقًا عميقًا داخل أوساط النخبة السياسية والاقتصادية، التي ترى أن خروج الكفاءات الأكاديمية والمهنية لا يمثل مجرد أزمة ديمغرافية، بل تهديدًا مباشرًا لأمن إسرائيل القومي وقدرتها على الصمود والاستمرار.
ورغم محاولات حكومة بنيامين نتنياهو التقليل من خطورة هذه الأرقام وربطها حصريًا بالحرب المستمرة على قطاع غزة، فإن تحليلات أكاديمية وإعلامية تشير إلى أسباب أعمق، أبرزها الانقلاب القضائي الذي قادته حكومة اليمين مطلع عام 2023، وما تبعه من تآكل الثقة بمؤسسات الدولة، إضافة إلى تراجع ميزانيات البحث العلمي وتنامي الاستقطاب السياسي والمجتمعي.
ووصف مجلس رؤساء الجامعات البحثية الإسرائيلية النتائج بأنها “جرس إنذار خطير”، مؤكدًا أن الدولة تستثمر موارد ضخمة في إعداد الباحثين والعلماء، ثم تخسرهم لصالح دول أخرى.
واعتبر المجلس أن هجرة العقول تمثل ضربة مباشرة لمحركات النمو الاقتصادي، ولقطاع التكنولوجيا المتقدمة، وللقدرة الاستراتيجية لإسرائيل.
من جهتها تناولت صحيفة الغارديان البريطانية الظاهرة في تقرير بعنوان “عام من الحرب يسرع الرحيل الصامت للنخبة الإسرائيلية”، مشيرة إلى أن العائلات الليبرالية باتت تشعر بانهيار العقد الاجتماعي القائم على الأمن والعدالة.
ونقلت الصحيفة عن عالم الاجتماع أوري رام أن الإسرائيليين العلمانيين الذين يفضلون العيش في نظام ديمقراطي ليبرالي أصبحوا أقلية متناقصة، في ظل النمو السريع للحريديم واليمين المتشدد.
وفي ورقة بحثية مشتركة، حذر يوجين كاندل، الرئيس السابق للمجلس الاقتصادي الوطني، من أن إسرائيل تواجه تهديدًا وجوديًا بسبب هجرة عشرات الآلاف ممن يشكلون النواة الصلبة لقطاع الابتكار. وأكد أن اقتصادًا بحجم إسرائيل يعتمد على عدد محدود من العقول، ما يجعل خسارتها ذات أثر مضاعف يفوق أعدادها.
وتكشف شهادات لإسرائيليين غادروا البلاد عن دوافع تتجاوز الحرب، تشمل الخوف من التحولات الديمغرافية، وتصاعد نفوذ المتدينين المتشددين المعفيين من الخدمة العسكرية، وتراجع مكانة التعليم العلمي.
ويخشى كثيرون من مستقبل لا يوفر لأبنائهم فرصًا متكافئة ولا أفقًا اقتصاديًا أو اجتماعيًا مستقرًا.
ومع تزايد المؤشرات على “المغادرة الصامتة”، يحذر مراقبون من أن استمرار هذا المسار قد يقوض الأسس التي قامت عليها إسرائيل كدولة جذب للهجرة، ويحولها إلى دولة طاردة لكفاءاتها، في أخطر تحول ديمغرافي واقتصادي تشهده منذ تأسيسها.





