في تطور لافت يعكس تنامي القلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من تداعيات الحرب المستمرة في غزة، وجّه أكثر من 600 مسؤول أمني إسرائيلي متقاعد – بينهم رؤساء سابقون لوكالات الاستخبارات – رسالة جماعية إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، دعوه فيها إلى التدخل الفوري للضغط على الحكومة الإسرائيلية لوقف الحرب التي دخلت شهرها العاشر.
الرسالة، التي نُشرت مقتطفات منها في وسائل إعلام عبرية وأمريكية، شددت على أن استمرار العمليات العسكرية في القطاع “أصبح عبئاً أخلاقياً واستراتيجياً”، وحذرت من أن “مستقبل إسرائيل كدولة ديمقراطية في خطر إذا استمرت هذه الحرب المفتوحة دون أفق سياسي”.
شخصيات بارزة على قائمة الموقّعين
وشملت قائمة الموقعين شخصيات بارزة من الجيش والموساد وجهاز الأمن العام “الشاباك”، منهم تامير باردو المدير السابق للموساد، وآمي أيالون الرئيس الأسبق لجهاز الشاباك، إلى جانب عدد كبير من الجنرالات المتقاعدين وقادة ألوية ونواب رؤساء أركان.
وجاء في الرسالة:
“نكتب إليكم كأصدقاء للشعب الأمريكي، وكشخصيات خدمت لعقود في الدفاع عن إسرائيل. نحن قلقون من أن قيادتنا الحالية فقدت البوصلة الأخلاقية، وتدفع إسرائيل نحو عزلة دولية متزايدة وكارثة إنسانية لا مبرر لها.”
وأكد المسؤولون المتقاعدون أن الموقف الأمريكي “يظل الأكثر تأثيرًا على حسابات الحكومة الإسرائيلية”، داعين ترامب إلى “استخدام نفوذه السياسي والاقتصادي لوضع حد للحرب، والضغط من أجل العودة إلى المسار السياسي”.
تداعيات داخلية: الجيش يواجه أزمة صامتة
في سياق متصل، كشفت هيئة البث الإسرائيلية “كان” عن معطيات مقلقة ضمن تحقيقات داخلية أجراها الجيش الإسرائيلي بشأن ظاهرة الانتحار في صفوفه خلال العام الجاري، الذي يشهد تصاعدًا حادًا في وتيرة العمليات العسكرية.
ووفق التقرير، فقد انتحر 16 جنديًا منذ بداية عام 2025، بينهم أربعة خلال شهر يوليو وحده. ويُعد هذا الرقم الأعلى منذ عدة سنوات، ما دفع قيادة الجيش إلى فتح تحقيق داخلي عاجل حول ظروف الجنود النفسية وآليات المتابعة الطبية داخل الوحدات المقاتلة.
وقال ضابط في سلاح الطب النفسي – لم تُكشف هويته – إن “الجنود يعانون من إرهاق دائم، ضغط نفسي غير مسبوق، وصور صادمة من ساحات القتال في غزة تلاحقهم حتى أثناء إجازاتهم”.
وأشار التقرير إلى أن عدداً من المنتحرين كانوا يخدمون في وحدات قتالية شاركت في العمليات البرية داخل غزة، بينما خدم آخرون في وحدات الدعم اللوجستي والطبية، ما يعكس أن التأثير النفسي للحرب لا يقتصر على الجنود في الخطوط الأمامية.
أزمة متصاعدة في الرأي العام
وتتزامن هذه التطورات مع تزايد نقمة شعبية داخل إسرائيل تجاه إدارة الحرب، لا سيما في ظل ارتفاع عدد القتلى من الجنود، واستمرار الشلل الاقتصادي في المدن الجنوبية، وتفاقم التوترات الاجتماعية بين معسكرات اليمين والمعارضة.
وفي استطلاع للرأي نشرته صحيفة “هآرتس”، أبدى 62% من الإسرائيليين تأييدهم لفكرة وقف إطلاق النار إذا كان ذلك سيؤدي إلى إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين لدى حركة حماس. كما عبّر أكثر من نصف المشاركين عن قلقهم من “غياب خطة استراتيجية” لدى الحكومة لإدارة المرحلة المقبلة.
ختام: ضغوط داخلية وخارجية تتزايد
تأتي رسالة المسؤولين الأمنيين المتقاعدين في توقيت حرج بالنسبة لحكومة بنيامين نتنياهو، التي تواجه انتقادات داخلية حادة وضغوطاً أمريكية ودولية متنامية لوقف الحرب، وسط تحذيرات من أن استمرار العمليات قد يورط إسرائيل في مواجهة إقليمية أوسع، ويعزز عزلة تل أبيب على الساحة الدولية.
وفيما تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية، وبينما لا تلوح في الأفق تسوية سياسية، يبدو أن الضغط من الداخل قد يصبح عاملاً حاسماً لا يقل أهمية عن المواقف الدولية – وربما يكون نداء الجنرالات المتقاعدين أحد أبرز مؤشرات التحول في المزاج الأمني الإسرائيلي تجاه حرب لا نهاية لها في غزة.





