Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أهم الأنباءمنوعات

مفارقة الاحتفاء بالمفكرين وعجزنا عن تطبيق أفكارهم في الواقع

30 أكتوبر، 2026

مفارقة الاحتفاء والتطبيق

في الذكرى السنوية لرحيل المفكر الجزائري مالك بن نبي، أحد أبرز أعلام التجديد الحضاري في العالمين العربي والإسلامي، تبرز إشكالية جوهرية تتعلق بموقفنا من إرث المفكرين. غالباً ما نكتشف قيمة رجال الإصلاح بعد وفاتهم، فنرفع أسماءهم إلى مقام الرموز ونحتفي بذكراهم، بينما نمضي في حيات اليومية وكأن أقوالهم لا تمسّ واقعنا. نحفظ عباراتهم ونمنحهم مكانة في الذاكرة، لكننا نعجز عن منح أفكارهم حيزاً في الواقع، فلا نسمح لها بأن تحدّد عاداتنا أو تكشف مواطن الخلل في مؤسساتنا.

هذا الموقف يطرح سؤالاً يتجاوز استحضار سيرة الرجل إلى مساءلة ذاتنا: هل كانت أزمتنا في غياب المفكرين، أم في عجزنا عن تحويل الفكر إلى قوة تغيير فعلية؟ لم يكن بن نبي يبحث عن الشهرة أو الاكتفاء بتشخيص مظاهر التخلف، بل كان مشغولاً بالأسئلة الأصعب حول آليات تكوّن الحضارات وأسباب نهوض الأمم أو تراجعها، وكيفية الحفاظ على قدرة الإنسان على المبادرة وتحويل الإمكانات إلى منجز حضاري.

التحرر من التبعية وبناء الإنسان

تجاوز تفكير بن نبي حدود الشكوى من الاستعمار الفرنسي الذي عاش قسوته في الجزائر، مدركاً أن انتهاء السيطرة السياسية لا يكفي لاستعادة العافية الحضارية. رأى أن التحرر السياسي يحتاج إلى تحرر في العقل والإرادة، وإلى بناء إنسان قادر على تنظيم حياته وصناعة مستقبله. وهكذا، أصبح الاستقلال بالنسبة له بداية امتحان أشد صعوبة، وهو امتحان القدرة على البناء، وليس نهاية الطريق.

وفي مقبرة سيدي أمحمد، كتب بن نبي بنفسه كلمات خلاصية على قبره: “ضمير العالم الإسلامي، وفريد زمانه، والشاهد لقرن، والفقير إلى ربه”. هذه الكلمات ليست مجرد عبارات رثاء، بل شهادة على رجل عاش مهموماً بأسئلة أمته، قرأ زمانه قراءة نافذة، وكشف عللها قبل استقرارها في الوعي الجمعي. بقي فقيراً إلى ربه رغم اتساع آفاق فكره، محتاجاً للهداية والتواضع.

مسؤولية الذات والقابلية للاستعمار

لا يقتصر السؤال في ذكرى رحيله على ما كُتب على قبره، بل يمتد إلى ما كتبناه نحن في سجل الحضارة بعده. من السهل تفسير الإخفاقات بالاستعمار والمؤامرات، وهي عوامل لا يجوز إنكارها، لكن الأصعب هو طرح سؤال المسؤولية الداخلية: ماذا فعلنا بما أصبح في أيدينا؟ استخدم بن نبي مفهوم “القابلية للاستعمار” لإبراز أن الهيمنة لا تُفهم بقوة المستعمر وحده، بل بالظروف الداخلية التي تسمح بها. هذا ليس تبرئة للمستعمر، بل دعوة لعدم جعل مظالم التاريخ ذريعة وحيدة للإخفاقات.

المجتمع الذي يختزل مشكلاته في خصومه فقط قد يشعر بالبراءة، لكنه لا يكتسب القدرة على التغيير. أما المجتمع الذي يراجع نفسه ويميز بين ما فُرض عليه وما صنعه بيده، فهو يضع قدمه على طريق الإصلاح. نحن اليوم بحاجة إلى ثقافة مسؤولية تعترف بالعوامل الخارجية دون تعطيل الفعل الداخلي.

شروط النهضة مقابل نتائجها

نتحدث كثيراً عن النهضة ونريد نتائج الحضارة، لكننا قليلون من نتوقف عند شروطها. نطمح لمؤسسات متقدمة دون ترسيخ ثقافة المؤسسة، ونطالب باحترام القانون مع التسامح مع الالتفاف عليه، ونتحدث عن الكفاءة مع ترك المجال لاعتبارات غير مرتبطة بالاستحقاق. الحضارة بناء متراكم يبدأ من الإنسان وطريقة تفكيره وعمله وعلاقته بالعلم والوقت، ثم ينتقل للمؤسسات التي تنظم الحياة العامة.

استحضار بن نبي ضرورة فكرية تدعو للبحث عن الشروط التي تجعل المجتمع قادراً على الفعل، بدلاً من الاكتفاء بوصف النتائج السلبية. الفكرة التي لا تتحول إلى ممارسة تبقى حبيسة الكتب، والمبدأ الذي لا يجد طريقه للمؤسسات يبقى محدود الأثر. الوفاء الحقيقي للمفكرين لا يكون بتخليد أسمائهم فحسب، بل بمواصلة أسئلتهم وتحويل أفكارهم إلى فعل مؤسسي ومجتمعي.

أُعدّ هذا الخبر في غرفة تحرير قدس اليومية بالاعتماد على ما نشرته مصادر إخبارية فلسطينية وعربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى