اتهم مارتن غريفيث، وكيل الأمين العام السابق للأمم المتحدة ومنسق الإغاثة الطارئة، إسرائيل بارتكاب “إبادة جماعية ممنهجة” ضد سكان قطاع غزة، واصفًا حصارها للمساعدات الإنسانية ومنع دخول المواد الغذائية والطبية بأنه “أفظع استخدام للجوع كسلاح منذ عقود”، في تصريحات هي الأشد من نوعها لمسؤول أممي رفيع المستوى منذ بدء الحرب.
وفي مقابلة مع موقع Middle East Eye البريطاني، قال غريفيث: “بصراحة، لا يمكننا أن نشك في أننا نرى الجوع والمرض يُستخدمان كأداتي حرب. لم أواجه في مسيرتي الممتدة لخمسين عامًا كارثة إنسانية مثل ما يحدث في غزة اليوم.”
“الجوع كتكتيك إبادة”
منذ مارس/آذار 2025، منعت إسرائيل دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع، بما في ذلك شحنات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، ما أدى إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق.
ووفقًا لوزارة الصحة الفلسطينية، توفي حتى الآن ما لا يقل عن 101 فلسطيني بسبب الجوع، بينهم 80 طفلًا، في حين يُغمى على أشخاص في الشوارع من شدة سوء التغذية، وفقًا لتقارير المستشفيات التي استندت إليها الأمم المتحدة في تحذيراتها الأخيرة.
قال غريفيث إن الحصار يمثل “جريمة إبادة مكتملة الأركان”، وأضاف: “أطفال يموتون أولًا. التاريخ سيحكم على هذا المشهد، وأحفادي سيتعلمون عن هذه الكارثة باعتبارها أسوأ جريمة في القرن الحادي والعشرين.”
تحذيرات من “نموذج غزة” للإفلات من العقاب
تولى غريفيث منصبه كمنسق الإغاثة الطارئة بين 2021 و2024، وكان على رأس الجهود الإنسانية الأممية خلال الشهور الأولى من الحرب، التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأكد أن ما يميز هذه الأزمة عن غيرها هو “الانهيار الأخلاقي في النظام الدولي”، محذرًا من أن “الإفلات من العقاب في غزة سيشجع أطرافًا أخرى على استخدام الأساليب ذاتها مستقبلاً”.
وأضاف: “غزة تحولت إلى ساحة لتجريب أدوات الحرب الجديدة: الحصار الكامل، التجويع الجماعي، وتهجير السكان بالقوة. ما يحدث هنا لن يبقى هنا.”
انتقاد حاد لخطة المساعدات الأمريكية
ندد غريفيث بخطة توزيع المساعدات البديلة التي ترعاها الولايات المتحدة وتُنفذ عبر “صندوق غزة الإنساني” (GHF)، واصفًا إياها بأنها “محاولة سياسية لتقويض العمل الإنساني الأممي، بل وتحويله إلى أداة تهجير مقنعة”.
وأوضح أن هذه الخطة، التي توزع المساعدات بإشراف عسكري إسرائيلي، تمثل “إغراءً ممنهجًا للنزوح” وتفشل في تطبيق الحد الأدنى من معايير الحياد الإنساني.
وقال “لا يمكن لأي منظمة إنسانية أن توزع المساعدات في بيئة عسكرية وتحت سيطرة طرف محارب. هذا لا يُعد عملًا إنسانيًا بأي شكل.”
حماس لا تسيطر على المساعدات
رفض غريفيث أيضًا المزاعم الإسرائيلية بأن حماس تستولي على المساعدات الأممية، وقال: “لم تُقدم إسرائيل أي دليل موثّق على هذه الادعاءات. نحن نعرف، من خلال التجارب في مناطق نزاع أخرى، أن توجيه مثل هذه الاتهامات يستخدم غالبًا لتبرير منع المساعدات أو تعطيلها.”
كما انتقد صندوق الأمم المتحدة للسكان لفشله في مراقبة وجهة المساعدات، مؤكدًا أن مجرد وضع الشحنات في مؤخرة شاحنة لا يضمن وصولها إلى مستحقيها، قائلًا: “المراقبة الدقيقة، والتتبع المستقل، هي أساس العمل الإنساني – وهذا ما لا يمكن لـ GHF تنفيذه داخل غزة حاليًا.”
أوامر دولية وإسرائيل تتجاهل
أصدرت محكمة العدل الدولية، منذ بداية 2024، ثلاث أوامر ملزمة لإسرائيل للسماح الفوري وغير المشروط بدخول المساعدات إلى قطاع غزة. لكن تل أبيب تجاهلت تلك الأوامر، في تجاهل صريح لالتزاماتها كدولة موقعة على اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948.
وأكد غريفيث: “أنا مقتنع تمامًا بأن ما يحدث في غزة يحقق تعريف الإبادة الجماعية. فرض ظروف معيشية تهدف لتدمير السكان المدنيين كجماعة، هو جوهر هذا التعريف.”
وحذر غريفيث من أن الخطط البديلة التي تقودها واشنطن، بالتنسيق مع إسرائيل وبعض الشركاء الإقليميين، قد تُفضي إلى تكرار مأساة نكبة 1948، وقال “ما يُراد لغزة هو أن تُفرغ من سكانها. ما يسمى بـ‘إغاثة مشروطة’ هو وسيلة تهجير، وخطوة على طريق نكبة جديدة.”





