فتح اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال الانفصالي فصلًا جديدًا من التنافس الإقليمي مع تركيا، مع انتقال الصراع غير المباشر بين الجانبين إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في خطوة تُقرأ على نطاق واسع باعتبارها محاولة إسرائيلية لمواجهة النفوذ التركي المتجذر في الصومال واستهداف تهديدات الحوثيين في اليمن.
وجاءت دلالات الخطوة الإسرائيلية سريعًا، حين فوجئ صحفيون إسرائيليون حاولوا هذا الأسبوع حجز رحلات إلى هرجيسا، عاصمة أرض الصومال، بشرط غير متوقع فرضته شركات الطيران الدولية: ضرورة الحصول على تأشيرة صادرة من الحكومة الصومالية في مقديشو.
ويعكس هذا الشرط واقعًا قانونيًا وسياسيًا راسخًا، إذ لا تزال أرض الصومال، التي أعلنت انفصالها من جانب واحد مطلع تسعينيات القرن الماضي، غير معترف بها دوليًا، باستثناء إسرائيل.
وأعاد هذا الموقف التذكير بمحدودية الاعتراف الإسرائيلي وتأثيره، وبأن خطوة تل أبيب لا تحظى بتأييد إقليمي أو دولي واسع، بل قوبلت بموجة انتقادات من فاعلين إقليميين، في مقدمتهم تركيا، التي استثمرت بكثافة في الصومال على مدى ثلاثة عشر عامًا، إلى جانب إدانات عربية وإقليمية واسعة، باستثناء الإمارات العربية المتحدة.
وتتعدد التفسيرات حول دوافع القرار الإسرائيلي. فبينما يرى بعض المراقبين أنه قد يشكل مقدمة لمحاولات إعادة توطين فلسطينيين من غزة في القرن الأفريقي، يربط آخرون الخطوة بالسياق الأمني الإقليمي، لا سيما تهديدات جماعة الحوثي في اليمن، التي استهدفت إسرائيل على خلفية الحرب في غزة.
وقال كاني تورون، السفير التركي السابق وعضو البرلمان عن حزب المستقبل، إن الموقع الجغرافي لأرض الصومال يمنح إسرائيل مزايا استراتيجية مباشرة.
وأوضح أن الإقليم يقع قبالة السواحل اليمنية، ما قد يتيح لإسرائيل إنشاء منشآت عسكرية، والوصول إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وتعزيز نفوذها في شرق أفريقيا.
ويتقاطع هذا التقدير مع تحليل الصحفي الإسرائيلي أميشاي شتاين، المتخصص في الشؤون الإقليمية، الذي قال إن إسرائيل تفتقر حتى الآن إلى استراتيجية واضحة لمواجهة الحوثيين، وإن الاعتراف بأرض الصومال قد يشكل أداة لتعزيز حضورها في المنطقة، خاصة في ظل تعطل حركة الشحن عبر قناة السويس بالنسبة للبضائع المتجهة إلى إسرائيل.
وأضاف شتاين أن الهدف الثاني لهذه الخطوة يتمثل في موازنة النفوذ التركي المتصاعد في القرن الأفريقي، مشيرًا إلى أن تركيا تحتفظ بقواعد عسكرية في المنطقة، إلى جانب وجود إماراتي ودولي متزايد، في سباق للسيطرة على ممرات تجارية ذات أهمية استراتيجية.
وأدانت تركيا رسميًا الخطوة الإسرائيلية، فيما تترقب الأوساط السياسية بيانًا مرتقبًا للرئيس رجب طيب أردوغان.
ومن المقرر أن يلتقي أردوغان، يوم الثلاثاء، بنظيره الصومالي حسن شيخ محمود للإعلان عن نتائج مسح زلزالي للطاقة أجرته سفينة تركية قبالة السواحل الصومالية، في مؤشر على عمق التعاون بين أنقرة ومقديشو.
ويأتي هذا التطور في ظل تدهور سريع في العلاقات التركية الإسرائيلية منذ عام 2023، على خلفية الحرب في غزة، حيث تتهم أنقرة إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، وفرضت حظرًا تجاريًا عليها العام الماضي.
وتفاقمت التوترات أكثر بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، إذ تدفع إسرائيل نحو نموذج حكم لا مركزي، في تعارض مباشر مع المصالح التركية ومخاوفها من تنامي نفوذ الأكراد شمال شرق سوريا.
كما أثار الدور التركي في التوسط لاتفاق سلام مع حركة حماس في سبتمبر/أيلول، إضافة إلى تقارير عن طلب أميركي بنشر قوات تركية في غزة، قلقًا إسرائيليًا متزايدًا. وردًا على ذلك، أعاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تفعيل شراكاته مع اليونان وقبرص، في مسار يُنذر بتبلور تحالفات عسكرية جديدة في شرق المتوسط.
ويرى عبدي وهاب شيخ عبد الصمد، المدير التنفيذي لمعهد أفروآسيا للدراسات الاستراتيجية في نيروبي، أن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال سيؤدي بشكل أساسي إلى تكثيف التنافس التركي الإسرائيلي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وأشار عبد الصمد إلى أن تركيا رسخت حضورًا واسعًا في الصومال، عبر استثمارات في الموانئ، وإقامة أكبر سفارة تركية في العالم، وإنشاء أكاديمية تدريب عسكري، وإدارة مطار مقديشو، إضافة إلى مشاريع في قطاعات الطاقة والتجارة والتعليم.
واعتبر أن أي تحرك إسرائيلي نحو هرجيسا من شأنه تقويض هذا النفوذ ومنح تل أبيب موطئ قدم استراتيجيًا قرب باب المندب.
وفي هذا السياق، كشفت تقارير محلية عن خطط تركية-صومالية سابقة لإنشاء قاعدة عسكرية في ميناء لاس قوري، الواقع في ولاية خاتومو المعلنة حديثًا، والتي تشمل نحو 45 بالمئة من الأراضي التي تطالب بها أرض الصومال.
وقال تورون إن أنقرة توصلت في السابق إلى تفاهم شفهي مع مقديشو بهذا الشأن، مرجحًا أن يُعاد طرح الملف خلال لقاء أردوغان والرئيس الصومالي.
وفي المقابل، حاول مسؤولون في أرض الصومال نفي أي ارتباط بين الاعتراف الإسرائيلي والتجاذبات الإقليمية.
وقال عبد الفتاح حسن يوسف، المدير التنفيذي لمركز القرن الأفريقي للسياسات الاجتماعية والتنمية، إن هرجيسا لا تسعى للانخراط في صراعات إقليمية، مؤكدًا أن أي نقاشات مع إسرائيل لا تتعلق بغزة أو إعادة توطين السكان أو إنشاء قواعد عسكرية.
غير أن تورون قلل من فرص نجاح المسعى الإسرائيلي، مشيرًا إلى غياب الدعم الإقليمي والدولي، ومذكرًا بتجربة إثيوبيا التي فشلت سابقًا في إبرام اتفاق مماثل تحت ضغط إقليمي. وخلص إلى أن توحّد الموقف في مقديشو سيحد من قدرة إسرائيل على تثبيت موطئ قدم دائم في المنطقة في المدى المنظور.




