تفتح شهادات جنود إسرائيليين في فيلم وثائقي جديد نافذةً نادرة على ما يجري داخل صفوف جيش الاحتلال خلال عملياته العسكرية في غزة، وتثير تساؤلات جدّية حول مدى الالتزام بقواعد الاشتباك والقانون الدولي الإنساني.
ويضم الفيلم، الذي يعرض لأول مرة على شاشة بريطانية فيلما بعنوان Breaking Ranks: Inside Israel’s War، روايات صادمة من ضباط وجنود واحتياطيين يصفون فيها مناخًا من الفوضى، وتراجعًا في القيود المهنية، وحتى تبريرًا دينيًا للقتل الجماعي.
ومن بين الشهادات البارزة، يقول دانييل، قائد وحدة دبابات، إن القواعد التي تُعلّم الجنود «الوسيلة، النية، والقدرة» لم تعد تُطبّق عمليًا في ساحات القتال وباتت تُستبدل بقاعدة أبسط وأكثر خطورة: «الضمير الميداني للقائد هو الفيصل».
ووفق شهود الفيلم، هذا التراخي أدى إلى إطلاق نيران على مدنيين «بلا استفزاز واضح»، واستهداف أشخاص يبدو أنهم يجرون أنشطة مدنية عادية — كتعليق الغسيل أو السير في الشارع — فتمّت معاملتهم كمراقبين أو مقاتلين محتملين.
والفيلم لا يكتفي بسرد حوادث منفصلة، بل يقدّم نمطًا متكررًا: فتح النار لمجرد الشكّ، هدم مبانٍ في مناطق يُفترَض أنها آمنة، وإعدام روتيني لتمييز من يُصار إلى وصفهم «مشتبهين».
وروى مقاول عمل في مواقع توزيع المساعدات أن جنودًا أطلقوا النار على شبّان كانوا يركضون ضمن زحام المتلقين، فانقلبت مشاهد الازدحام إلى مشاهد موت مفاجئ.
وتتقاطع هذه الروايات مع بيانات تحليلية أظهرت أن نسبة كبيرة من الضحايا في غزة هم من المدنيين، بحسب مسؤولين إسرائيليين وبيانات مستقلة قُدّمت في تقارير صحافية وتحليلية.
وجانب آخر مثير للقلق في الفيلم هو ما وصفه الجنود بـ«بروتوكول البعوض» — ممارسة يُزعَم أنها تستعين بمدنيين كوسائل استطلاع أو مصادر معلومات، ثم تُعرَض عليهم مخاطر مميتة.
وقد تحدث ضباط عن كهنة عسكريين وروحيات دينية روجت لخطاب يبرّر الانتقام الجماعي ويقلّل من اعتبار البراءة المدنية؛ وهو خطاب، يقولون، تسرب إلى بعض القيادات الميدانية وشجّع ممارسات الهدم الجماعي والعمليات العدائية واسعة النطاق.
وردًّا على هذه الاتهامات والتصريحات، كرّر جيش الاحتلال في بيانات رسمية التزامه بالقانون الدولي، ونفى سياسات إطلاق نار عشوائي أو استخدام «دروع بشرية» كمنهج رسمي، مؤكدًا أن ادعاءات سوء السلوك تُحقق فيها الجهات المختصة حين تُقدّم دلائل هوية المتّهمين.
لكن الفيلم يسلّط الضوء على فجوة بين الخطاب الرسمي وتجارب الجنود على الأرض، ويعرض شهادات لجنود أقرّوا بأنهم شعروا بالعار والصدمة من تصرفاتهم أو من أوامر تلقوها أثناء الخدمة.
وتفيد تحليلات وتقارير صحافية مستندة إلى بيانات ميدانية بأن نسبة المدنيين بين الضحايا في غزة كانت مرتفعة للغاية، ما يعيد فتح ملف المساءلة الدولية والبحث في مسؤولية سلسلة القيادة عن انتهاكات محتملة.
كما أن شهادات الجنود تُضيف بعدًا داخليًا إلى ملف الاتهامات التي سلّطت عليها بعثة أممية تقاريرًا سابقة تناولت احتمال ارتكاب جرائم تصل إلى مستوى الإبادة الجماعية، عبر خطاب عام وتطبيق عملي أدى إلى استهداف مجموعات مدنية واسعة.
والفيلم الوثائقي لا يقدّم إجابات نهائية، لكنه يضع أصابعًا على نقاط ضعف نظاميّة: غياب رقابة فعّالة في الميدان، تأثير خطاب سياسي وديني متصلب في صناعة القرار القتالي، وصعوبات التحقيق والانضباط التي تحول دون مساءلة شاملة.
وفي المشهد القانوني الدولي، قد تُستخدم مثل هذه الشهادات كجزء من طلبات تحقيق مستقلة أو دعم لطلبات مساءلة أمام محاكم دولية، في حال توفر توثيق قانوني يشمل تواريخ، مواقع، وهويات مرتكبي الانتهاكات.





