في الساعات الأولى من صباح 3 يونيو/حزيران 2025، توجّه أمين سمير خليفة (30 عامًا) إلى مركز توزيع غذاء في رفح تديره مؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، بحثًا عن صندوق دقيق وزيت وحفنة عدس تكفي أسرته ليوم آخر.
بعد وقت قصير، سقط مضرجًا بدمائه. يروي شهود أن النيران انطلقت على طريق مُعلّم مسبقًا بأنه “آمن”، فيما كان عشرات الفلسطينيين يتجهون صوب الموقع ذاته.
وقد أعاد فيلمٍ وثائقي جديد أصدرته منصة “ميدل إيست آي” بعنوان “غارق في الدم”، بناء اللحظات التي سبقت مقتل خليفة، مستعينًا بتحليلٍ صوتي جنائي، وصور أقمار صناعية، وشهادات ميدانية.
وخلص التحقيق إلى أن الرصاص الذي أرداه قتيلاً جاء “على الأرجح” من رشاش FN MAG عيار 7.62 ملم مركّب على دبابة إسرائيلية، تموضعت قبل أيام من الواقعة قرب بقايا مسجد معاوية في رفح. ويشير نمط إطلاق النار والإحداثيات، وفق التحقيق، إلى استهدافٍ متعمد للمدنيين المتجهين إلى مواقع المساعدة.
تقول والدته فدوى، وهي تستعيد المشهد بمرارة: “نحن نموت من أجل قطعة خبز… لماذا يُعدم إنسان لأنه يريد الخبز؟”.
أرقام صادمة وتفسيرات متضاربة
تزايدت خلال الأشهر الماضية تقارير عن سقوط شهداء وجرحى عند مواقع توزيع المساعدات، في ظل مجاعة تلوح في الأفق ونقص حاد في الغذاء والدواء.
وتفيد تقديرات أممية بأن أكثر من 1300 فلسطيني قُتلوا أثناء محاولتهم الوصول إلى الطعام منذ مايو/أيار. من جهتها، أعلنت وزارة الصحة في غزة أن 2615 فلسطينيًا على الأقل قُتلوا وأصيب 19182 خلال محاولات الحصول على المساعدات منذ أواخر مايو/أيار.
في المقابل، تنفي مؤسسة GHF أن تكون وقعت وفيات في مواقعها، وتصف أرقام الأمم المتحدة بأنها “كاذبة ومضللة”. ولم يتسنَّ الحصول على ردّ فوري من الجيش الإسرائيلي حول حادثة مقتل خليفة تحديدًا؛ وتؤكد المؤسسة العسكرية في بيانات عامة سابقة أنها لا تستهدف المدنيين، وتحقق في مزاعم الانتهاكات “عند الضرورة”.
طريق “آمن” بنيران حية
يؤكد التحقيق أن مسارات الحركة إلى مراكز المساعدة تُعلن غالبًا “آمنة”، لكن الشهادات والفيديوهات تشير إلى تعرض قوافل الأفراد لإطلاق نار متكرر.
ويؤكد شهود أن القوات الإسرائيلية “أطلقت النار من آليات مدرعة” عند اقتراب المدنيين من الأسوار ونقاط الفرز، فيما أفاد آخرون بوجود “متعاقدين أمنيين أجانب” قرب بعض نقاط التوزيع. ولم يتسنّ التحقق المستقل من هذه المزاعم.
وتأتي هذه الحوادث على خلفية حصار مشدد وإغلاقات متكررة للمعابر، ما قاد إلى تكدس الشاحنات وتباطؤ التوزيع. سبق لمسؤولين إسرائيليين أن قالوا إن القيود “ضرورية لمنع تهريب السلاح وضمان عدم استفادة حماس”، بينما ترى وكالات أممية ومنظمات حقوقية أن تسييس الوصول الإنساني يجعل مواقع المساعدة نفسها مناطق خطر.
“المجاعة بالتصميم”… سياق أطول من الحرب الراهنة
يربط التقرير الوثائقي بين سياسة التحكم في دخول الغذاء إلى غزة وبين هدف “الضغط على المجتمع” لعزل حماس. بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أغلقت المعابر لفترات طويلة وتعرضت قوافل للمضايقة من قبل مجموعات إسرائيلية، بحسب روايات موثقة.
منذ ذلك الحين، ازداد اعتماد السكان على مطابخ المجتمع، ولجأ البعض إلى غلي علف الحيوانات للبقاء، فيما تحولت الطوابير أمام نقاط التوزيع إلى نقاط اشتباك متكررة، وفق شهود ومنظمات.
وتطالب منظمات أممية وإغاثية بـفتح جميع المعابر وتوفير ممرات آمنة “حقيقية”، ونشر مراقبين دوليين لحماية مواقع المساعدة، وفصلها كليًا عن أي نشاط عسكري.
كما تدعو جهات حقوقية إلى تحقيق دولي مستقل في حوادث إطلاق النار على طالبي الإغاثة، مع مساءلة واضحة إذا ثبت الاستهداف المتعمد.
على الأرض، تحاول منظمات إنسانية مضاعفة التوزيع: مطابخ مجتمعية توزّع مئات آلاف الوجبات يوميًا، مخابز مدعومة تنتج عشرات آلاف حزم الخبز، وإمدادات طبية تُنقل للمستشفيات الكبرى.
لكن العاملين يؤكدون أن “كل ذلك لا يكفي دون ضمانات أمنية وتشغيلية”، وأن أي “طريق آمن” لا معنى له إذا انتهى بنقطة إطلاق نار.



