أكدت تركيا أنها لن تقدم على نشر قوات في قطاع غزة إلا بعد صدور قرار رسمي من مجلس الأمن الدولي يحدد تفويضًا واضحًا لمهمة القوة الدولية المقترحة، في وقت تتصاعد فيه النقاشات حول ترتيبات ما بعد الحرب وسبل تثبيت وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مؤتمر صحفي عقده في إسطنبول عقب اجتماع مع نظرائه من إندونيسيا وباكستان والسعودية والأردن وممثلين عن الإمارات وقطر، إن الدول التي تدرس إرسال قوات إلى غزة “ترغب أولًا في رؤية قرار من مجلس الأمن ينشئ هذه القوة، ويحدد مهامها وصلاحياتها، ويمنحها الشرعية القانونية الدولية”.
وشدد فيدان على أن موقف أنقرة سيكون مرتبطًا مباشرة بهذا القرار، مضيفًا أن أي خطوة تركية في هذا الاتجاه “لن تتم دون إطار قانوني واضح يضمن أمن القوات المشاركة واحترام المبادئ الأساسية للقانون الدولي”. وأوضح أن الدول المنخرطة في المفاوضات “تسعى لفهم تعريف المهمة ونطاقها بدقة قبل اتخاذ أي قرار بشأن المشاركة”.
وأشار الوزير التركي إلى أن المداولات ما تزال في مراحلها الأولية، وأن التحفظات لا تقتصر على تركيا، بل تشمل دولًا أخرى “تريد الاطلاع على تفاصيل قواعد الاشتباك وآليات التنسيق والضمانات الأمنية”.
وأضاف أن تركيا “مستعدة لتحمل عبء السلام وتقديم أي تضحيات ضرورية”، لكنها “تريد أولًا دراسة الوثائق التي ستنتج عن مجلس الأمن للتأكد من توافقها مع مبادئ السياسة الخارجية التركية”.
اتفاق مشروط
تأتي هذه التصريحات بعد أيام من إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استعداد بلاده “لفعل كل ما يلزم لضمان استمرار وقف إطلاق النار في غزة، بما في ذلك إرسال قوات إذا اقتضت الضرورة”.
ومع ذلك، تؤكد التصريحات الجديدة أن أنقرة لن تقدم على أي خطوة من جانب واحد، وأن مشاركتها “ستكون جزءًا من جهد دولي منظم ومفوض أمميًا”.
ووفقًا لتقارير دبلوماسية غربية، فإن الولايات المتحدة اقترحت تشكيل قوة استقرار متعددة الجنسيات في غزة ضمن اتفاق رعاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يهدف إلى منع تجدد الحرب وضمان وصول المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار القطاع.
وتُعدّ تركيا من الدول التي رُشحت للعب دور رئيسي في هذه القوة، إلى جانب دول إسلامية أخرى، وهو ما لقي معارضة شديدة من الحكومة الإسرائيلية التي ترفض وجود قوات تركية قرب حدودها.
غموض في الموقف الإسرائيلي
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على استعداد إسرائيل لقبول أي دور تركي مباشر في غزة. فقد ذكرت وسائل إعلام عبرية أن حكومة بنيامين نتنياهو تدرس خيار مشاركة قوات أذربيجانية بديلة عن التركية، في محاولة لتجنب التوتر السياسي والأمني مع أنقرة.
وفي المقابل، كشف مسؤول تركي رفيع لموقع ميدل إيست آي الشهر الماضي أن أنقرة طلبت توضيحًا مفصلًا بشأن قواعد الاشتباك وكيفية حماية القوة الدولية نفسها إذا تعرضت لهجمات من أطراف داخل القطاع، مشيرًا إلى أن تركيا “لن توافق على إرسال جنودها في مهمة غامضة أو بلا ضمانات أمنية واضحة”.
ضغوط أمريكية وخلافات في التفاصيل
وبينما تضغط واشنطن لتشكيل القوة في أسرع وقت ممكن، تقول مصادر دبلوماسية إن الخلافات حول طبيعة التفويض وصلاحيات القيادة ما زالت قائمة.
وتفضل بعض الدول الإسلامية أن تكون القوة تحت إشراف الأمم المتحدة المباشر، بينما تميل واشنطن إلى نموذج أكثر مرونة تقوده “دول مشاركة” بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية.
وكان ستيف بانون، المسؤول السابق في إدارة ترامب، قد صرّح الشهر الماضي بأن “البيت الأبيض اختار أردوغان ليكون رئيسًا للأمن في غزة”، في إشارة إلى احتمال منحه دورًا قياديًا في القوة الدولية المقترحة، لكنه أضاف أن “نتنياهو سيحتاج إلى التحدث مباشرة مع ترامب إذا أراد تغيير هذا القرار”.
تدهور العلاقات التركية الإسرائيلية
تأتي هذه التطورات في ظل توتر متصاعد بين أنقرة وتل أبيب منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي وصفتها تركيا مرارًا بأنها “إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني”.
وقد تدهورت العلاقات الثنائية بشكل حاد العام الماضي، بعد أن فرضت أنقرة حظرًا تجاريًا شاملًا على الشركات الإسرائيلية، وانضمت رسميًا إلى قضية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية تتهمها بارتكاب جرائم إبادة.
كما خفّضت تركيا مستوى علاقاتها الدبلوماسية مع تل أبيب، واستدعت سفيرها احتجاجًا على “الجرائم الممنهجة ضد المدنيين”، فيما صعّدت إسرائيل بدورها من لهجتها ضد القيادة التركية، معتبرة أن أنقرة “تسعى لاستغلال الملف الفلسطيني لتعزيز نفوذها الإقليمي”.
ومع استمرار المفاوضات حول ترتيبات ما بعد الحرب، تبقى هوية القوة الدولية المنتظرة وطبيعة مهامها موضع نقاش مفتوح. وبينما تواصل واشنطن اتصالاتها مع أنقرة وعواصم إسلامية أخرى لحشد التأييد، تصر تركيا على أن أي تدخل عسكري في غزة لا يمكن أن يتم دون تفويض من الأمم المتحدة يضمن الشفافية والمشروعية الدولية.
وفي ظل هذه المواقف المتباينة، يبدو أن الطريق إلى نشر أي قوة دولية في غزة لا يزال طويلًا ومعقدًا، رهنًا بالتفاهمات بين القوى الكبرى والإقليمية، وبمدى استعداد إسرائيل للتعاون مع ترتيبات أمنية تتضمن دورًا فاعلًا لتركيا.





