تتصاعد الضغوط السياسية داخل المملكة المتحدة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، وسط دعوات لمنع المواطنين البريطانيين من شراء المنازل والأراضي داخل المستوطنات التي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي.
وكشف دبلوماسي بريطاني سابق أن الحكومة يمكنها اتخاذ خطوة غير مسبوقة عبر تجريم شراء مواطنيها عقارات في المستوطنات الإسرائيلية، في إطار محاولات مواجهة التوسع الاستيطاني المتسارع ومخاطر ضم مزيد من الأراضي الفلسطينية.
وقال السير فنسنت فين، القنصل العام البريطاني السابق، إن منع البريطانيين من شراء المنازل والأراضي داخل المستوطنات يمثل أداة ضغط عملية يمكن استخدامها ضد مشروع الاستيطان.
وأكد خلال مؤتمر نظمه مشروع فلسطين البريطاني أن “تجريم شراء الأراضي المسروقة أمر ممكن عملياً وسياسياً”، داعياً إلى دعم هذا التوجه باعتباره وسيلة لمواجهة عدم شرعية المشروع الاستيطاني ككل.
وتأتي هذه الدعوات بعد فتح باب المناقصات أمام شركات خاصة لبناء نحو 3400 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية ضمن مشروع مثير للجدل، تعتبره جهات دولية خطوة قد تعزز الضم الإسرائيلي وتؤدي إلى تقسيم الضفة الغربية وعزلها عن القدس الشرقية.
وكانت الحكومة البريطانية قد حذرت الشركات من المشاركة في مشروع الطريق الاستيطاني “E1″، لكنها لم تصل حتى الآن إلى مرحلة فرض حظر شامل على التعاملات الاقتصادية المرتبطة بالمستوطنات.
ويرى منتقدون أن التحذيرات الدبلوماسية لم تعد كافية، وأن استمرار التوسع الاستيطاني يتطلب إجراءات قانونية واقتصادية مباشرة.
واقترح فين إمكانية تعديل قانون عائدات الجريمة لعام 2002، الذي يسمح للحكومة بمصادرة الأصول المرتبطة بأنشطة غير قانونية، ليشمل عمليات شراء العقارات داخل المستوطنات.
وقالت النائبة العمالية المخضرمة إميلي ثورنبيري، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني، إنها ستدرس المقترح، معتبرة أنه فكرة تستحق البحث، رغم الحاجة إلى تحديد الآليات القانونية التي يمكن استخدامها لتنفيذه.
ووصف فين شهر يونيو بأنه مرحلة حاسمة للتحرك ضد الضم، مؤكداً أن منع التوسع الاستيطاني يتطلب تحذير الشركات والجهات المشاركة من أنها ستواجه عواقب اقتصادية إذا استمرت في دعم هذه المشاريع.
وتتزامن هذه الدعوات مع تغير واضح في المزاج السياسي داخل حزب العمال البريطاني تجاه سياسات إسرائيل.
وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة “سرفيشن” أن 62% من أعضاء حزب العمال غير راضين عن طريقة تعامل الحكومة البريطانية مع القضية الفلسطينية.
كما أظهر استطلاع آخر أجرته منظمات “أنقذوا الأطفال” و”المساعدة المسيحية” و”المساعدة الطبية للفلسطينيين” أن 87% من أعضاء الحزب يؤيدون حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية.
وكشف الاستطلاع أيضاً أن ثلثي المشاركين يدعمون تعليق اتفاقية التجارة والشراكة بين بريطانيا وإسرائيل، بينما أيد 78% تعليق جميع صادرات الأسلحة إلى إسرائيل.
وقالت أليسون غريفين، مسؤولة الحملات الإنسانية في منظمة “أنقذوا الأطفال”، إن بريطانيا لا يمكنها إعلان دعم القانون الدولي بينما تستمر في سياسات قد تسهل انتهاكه.
وأضافت أن التعامل مع الاحتلال والمستوطنات باعتبارهما قضية دبلوماسية فقط لم يعد مقبولاً، مؤكدة الحاجة إلى خطوات عملية لإنهاء أي شكل من أشكال التواطؤ.
من جانبه، قال روهان تالبوت، مدير مؤسسة “المساعدة الطبية للفلسطينيين”، إن نتائج الاستطلاع تكشف اتساع الفجوة بين الواقع في الأراضي الفلسطينية ورد الحكومة البريطانية.
وفي إطار التحركات البرلمانية، تواصلت المجموعة البريطانية الفلسطينية داخل البرلمان مع 43 شركة بريطانية مرتبطة بأنشطة بناء المستوطنات في الضفة الغربية.
وقالت النائبة العمالية ديبورا أبراهامز إن هذه الشركات أُبلغت بأن المشاركة في التمويل أو البناء أو توفير المواد للمستوطنات قد تكون مخالفة للقانون.
وأضافت أن نواباً في أوروبا وأيرلندا وأستراليا يعتزمون اتخاذ خطوات مشابهة بالتنسيق مع المجموعة البرلمانية.
ورغم أن الحكومة البريطانية لم تحظر حتى الآن عمل الشركات داخل المستوطنات، فإنها تؤكد أنها لا تشجع أو تدعم أي نشاط اقتصادي مرتبط بها بسبب وضعها غير القانوني دولياً.
وحذرت لندن الشركات من المخاطر القانونية والضرر المحتمل على سمعتها نتيجة المشاركة في مشاريع الاستيطان، خاصة مع تصاعد الاتهامات بانتهاك القانون الدولي.
وأكدت وزارة الخارجية البريطانية أنها أدانت مراراً توسيع المستوطنات وفرضت عقوبات على شخصيات مرتبطة بعنف المستوطنين.
ويشير تصاعد هذه التحركات إلى تحول تدريجي داخل الساحة البريطانية من الاكتفاء بانتقاد الاستيطان الإسرائيلي إلى البحث عن أدوات ضغط قانونية واقتصادية قد تستهدف مصادر تمويله وداعميه بشكل مباشر.





