تتزايد المخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية مع تقليص الأمم المتحدة لموظفها في غزة وسحب المنظمات التابعة لها ثلث موظفيها الدوليين بسبب مخاوف أمنية في خضم استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية.
وقال مواطنون فلسطينيون إن قرار الأمم المتحدة بإجلاء ثلث موظفيها الدوليين من غزة مؤقتا يزيد من يأس سكان غزة الذين فقدوا الكثير بالفعل.
وصرح ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، بأن هذه الخطوة جاءت بسبب تزايد الخطر على موظفي الأمم المتحدة بعد استئناف إسرائيل حملتها العسكرية الأسبوع الماضي بقصف أسفر عن قتل أكثر من 700 فلسطيني.
وقالت المنظمة الدولية إن دبابة إسرائيلية ربما كانت مسؤولة عن الهجوم على دار ضيافة تابعة للأمم المتحدة في وسط غزة الأسبوع الماضي، وهو ما نفاه الجيش الإسرائيلي.
يأتي سحب موظفي الأمم المتحدة في ظل استمرار منع دخول المساعدات الأساسية، بما في ذلك الإمدادات الطبية والغذاء والماء، إلى القطاع. ولم تكن فترة الهدوء القصيرة التي أعقبت وقف إطلاق النار بين 19 يناير/كانون الثاني و1 مارس/آذار كافية لإصلاح البنية التحتية المدمرة.
يقول محمد العطار، 39 عامًا، من بيت لاهيا شمال غزة، إنه يُجبر على العيش وسط “النفايات ومياه الصرف الصحي” بسبب استمرار تدمير أنابيب الصرف الصحي.
كما منعت إسرائيل موظفي الأمم المتحدة من تنظيف أطنان من النفايات الصلبة، مما أدى إلى إنشاء مكبات نفايات ضخمة باتت اليوم موطنًا لسكان غزة، مثل العطار الذي قال “الحياة هنا لا تُطاق. الروائح الكريهة والحشرات ومياه الصرف الصحي المفتوحة المحيطة بنا تجعلها بيئة خصبة للأمراض. لم أتخيل يومًا أن زوجتي وأولادي وأنا، ثمانية أشخاص، سنعيش في هذا الوضع”.
ومنذ نزوحه من الشمال وحصار إسرائيل للمساعدات في 2 مارس/آذار، يقول العطار إنه لم يتلقَّ أي مساعدة تُذكر. وكانت منظمات غير حكومية دولية قد أبلغت وسائل إعلام سابقًا أن الحاجة كانت شديدة خلال وقف إطلاق النار، لدرجة أن أي مساعدة تصل كانت تُوزّع فورًا، مما أدى إلى استنفاد القدرة على التخزين في حال استئناف الأعمال العدائية.
وفي الأسبوع الماضي، قالت الأمم المتحدة إنها لا تملك خطة طوارئ في حال تصاعد الهجمات الإسرائيلية، وأنها تعمل في حالة طوارئ منذ 16 شهرا، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وقال العطار “لقد كانوا بالكاد يقدمون لنا أي شيء، والآن ستزداد الأمور سوءًا”.
ويوم الاثنين، اعترفت إسرائيل بقصف مبنى تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر في رفح. وفي بيان، زعم الجيش الإسرائيلي إنه أطلق النار على المبنى “بعد تحديد هوية المشتبه بهم وشعوره بوجود تهديد للقوة”، مضيفًا أن ملكية المبنى “مجهولة”.
مع ذلك، نفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر هذه الادعاءات. وقال المتحدث باسمها هشام مهنا إن موقع المبنى كان معروفًا لإسرائيل، وكان علم اللجنة الدولية يرفرف فوقه. وأضاف السيد مهنا أن موظفي اللجنة الدولية لم يعودوا إلى المبنى لأن الوضع لا يزال “غير متوقع”.
وأضاف “إن هناك قلقاً لدى أعضاء اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمجتمع الإنساني بأكمله – نظراً للحادث الذي أدى إلى مقتل وإصابة موظفين من الأمم المتحدة في دير البلح – من أن هذه علامة تحذيرية على أن حتى العاملين في المجال الإنساني ليسوا محميين ويواجهون حوادث أمنية خطيرة بسبب تأثرهم المباشر واستهدافهم مع أو بدون عذر”.
وقد أثر القصف الإسرائيلي على غزة أيضًا على الاتصالات. فقد موظفو اللجنة الدولية للصليب الأحمر الاتصال بطاقم الهلال الأحمر الفلسطيني قبل ثلاثة أيام في رفح . ولا يزال مكانهم مجهولًا. وستزيد الهجمات الأخيرة على العاملين في المجال الإنساني والطوارئ من تعقيد بيئة توزيع المساعدات.
وقال مهنا إن المخاوف الأمنية لا تشكل التحدي الرئيسي وأن “القيود المفروضة على المساعدات وإغلاق المعابر ونقص الوقود والمواد الغذائية في الأسواق، كل ذلك يعني عدم توصيل الوجبات الساخنة للمدنيين الذين يعتمدون عليها في البقاء على قيد الحياة”.
ورغم إعلان الأمم المتحدة تقليص عملياتها، إلا أنها أكدت أنها لن تغادر غزة. وأصرّت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على موقفها، مضيفةً أن عملياتها تنقذ الأرواح، وأنها لا تنوي المغادرة.
لكن فضل العتال، وهو أب لأربعة أطفال، أعرب عن قلقه العميق إزاء تفاقم الأزمة الإنسانية.
وقال “لقد شُحّت مساعدات وخدمات الأونروا منذ أسابيع، منذ أن أغلق الاحتلال المعابر مع بداية شهر رمضان. ولا شك أن أي تقليص إضافي في عدد الموظفين أو المساعدات سيكون له عواقب وخيمة على السكان”.
وأضاف “لقد وقعنا في دوامة الاستنزاف هذه لمدة 18 شهرًا، لا نعرف ما نفعله. كل انتكاسة جديدة تُفاقم معاناة الناس وتُحدّ أكثر من الخدمات الأساسية التي يعتمدون عليها”.
وتابع “يجب أن يكون الضغط والقرارات موجها ضد المحتلين، وليس ضد الأبرياء الذين سحقتهم الحرب وهم في حاجة ماسة إلى الإغاثة الإنسانية”.




