تحولت مسابقة يوروفيجن الأوروبية هذا العام من حدث فني يحتفي بالموسيقى والتنوع الثقافي إلى منصة تعكس الانقسامات السياسية العميقة داخل أوروبا، بعد إعلان عدة دول مقاطعتها للمسابقة احتجاجًا على مشاركة إسرائيل، في ظل تداعيات الحرب على غزة.
وتنطلق النسخة السبعون من المسابقة وسط أجواء مشحونة، حيث أعلنت خمس دول أوروبية، من بينها إسبانيا وهولندا، مقاطعتها الحدث، في خطوة غير مسبوقة تعكس تصاعد التوتر السياسي داخل القارة بشأن الموقف من إسرائيل.
وشملت المقاطعة أيضًا سلوفينيا، التي أعلنت بث برامج وثائقية عن فلسطين بدلًا من نقل النهائي، إضافة إلى أيرلندا وأيسلندا، ما يعكس اتساع دائرة الاحتجاج داخل أوروبا.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل تحولًا نوعيًا، حيث لم تعد الخلافات السياسية محصورة في البيانات الدبلوماسية، بل امتدت إلى الفعاليات الثقافية الكبرى، التي كانت تُعتبر تقليديًا بعيدة عن التجاذبات السياسية.
ومن المتوقع أن تشهد العاصمة فيينا احتجاجات متزامنة مؤيدة للفلسطينيين وأخرى داعمة لإسرائيل، ما يعكس حالة الاستقطاب الحاد التي باتت تميز المشهد الأوروبي.
كما يواجه منظمو المسابقة ضغوطًا متزايدة للتعامل مع تداعيات المقاطعة، وسط مخاوف من أن تؤثر هذه التطورات على صورة المسابقة كرمز للوحدة الأوروبية.
وتصاعد الجدل بعد تحذير رسمي وجهه مدير المسابقة مارتن غرين إلى هيئة البث الإسرائيلية بشأن مقاطع ترويجية شجعت الجمهور على التصويت بكثافة لممثل إسرائيل.
وأدى ذلك إلى تعديل قواعد التصويت، حيث تم تحديد عدد الأصوات المسموح بها لكل مشارك، في محاولة لضبط ما وصفه المنظمون بـ”التسويق غير المتناسب”، الذي قد يؤثر على نزاهة النتائج.
ويجد المغني الإسرائيلي نوعام بيتان نفسه في قلب الجدل، رغم تأكيده أن مشاركته فنية بحتة، وأن أغنيته “Michelle” تتناول موضوعًا عاطفيًا بعيدًا عن السياسة.
لكن التكهنات حول دلالات الأغنية، وربطها بأحداث 7 أكتوبر، زادت من حدة النقاش، خاصة في ظل سوابق لمشاركات إسرائيلية حملت رسائل سياسية ضمنية.
ولا تعد هذه المرة الأولى التي تثير فيها مشاركة إسرائيل جدلًا في يوروفيجن، إذ بدأت دعوات المقاطعة منذ استضافة تل أبيب للمسابقة عام 2019، لكنها بلغت هذا العام مستوى غير مسبوق من التنظيم والتأثير.
وفي العام الماضي، رفض اتحاد البث الأوروبي استبعاد إسرائيل، رغم الضغوط، وهو قرار لاقى دعمًا من دول كبرى مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا.
ويرى محللون أن الأزمة الحالية تعكس صراعًا أعمق داخل أوروبا بين تيارات تدعو إلى فصل الثقافة عن السياسة، وأخرى ترى أن الفعاليات الدولية يجب أن تعكس المواقف الأخلاقية تجاه القضايا العالمية.
كما تكشف المقاطعة عن تباين واضح بين الحكومات والشعوب، حيث تتبنى بعض الدول مواقف رسمية داعمة لإسرائيل، بينما تتصاعد الضغوط الشعبية لمقاطعتها.
وفي ظل هذه التطورات، يواجه منظمو يوروفيجن تحديًا غير مسبوق للحفاظ على توازن المسابقة، بين كونها حدثًا فنيًا عالميًا وبين الضغوط السياسية المتزايدة.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الاتجاه قد يحول المسابقة إلى ساحة دائمة للصراعات السياسية، ما قد يهدد أحد أبرز رموز الثقافة الأوروبية المشتركة.





