تشير أحدث التقديرات الميدانية إلى أن نحو 12% من سكان قطاع غزة باتوا بين شهيد وجريح ومفقود منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية في 7 أكتوبر 2023.
ويعني هذا الرقم يعني عمليًا أن أكثر من واحد من كل عشرة فلسطينيين في غزة خرج من دورة الحياة الطبيعية، إما بالموت، أو بإصابة جسدية دائمة، أو بالفقدان القسري تحت الأنقاض أو في ظروف مجهولة.
وفي مجتمع صغير، كثيف، ومحاصر مثل غزة، لا يمكن التعامل مع هذه النسبة بوصفها خسائر حرب تقليدية، بل كتحوّل بنيوي يضرب المجتمع في عمقه.
الأخطر من الرقم نفسه هو أن الغالبية الساحقة من الشهداء والجرحى هم من فئات عمرية شابة، وعلى رأسها الأطفال واليافعون.
ووفق تقارير طبية وإنسانية متقاطعة، تضم غزة اليوم ما يمكن وصفه بأنه أكبر حشد من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث، نتيجة العدوان الإسرائيلي الشامل.
وهذا الواقع لا يعني فقط فقدان أطراف، بل فقدان مسارات حياة كاملة. أطفال في عمر التكوين الجسدي والنفسي سيعيشون بإعاقات دائمة، في بيئة تفتقر إلى مراكز تأهيل، وأطراف صناعية، ودعم نفسي طويل الأمد.
ومع انهيار المستشفيات ونقص الكوادر الطبية، تحولت إصابات كان يمكن احتواؤها إلى إعاقات مستديمة، ما يضاعف الكلفة الإنسانية والاجتماعية.
ومن منظور ديموغرافي، تُعد هذه الخسائر استثنائية. فالمجتمع الغزي يتميز بتركيبة سكانية فتية، حيث يشكّل الأطفال والشباب النسبة الأكبر من السكان. ضرب هذه الفئة تحديدًا يعني إضعاف القاعدة البشرية المنتجة مستقبلًا، وخلق فجوة عمرية ستنعكس على سوق العمل، والتعليم، والبنية الأسرية لعقود قادمة. إنها ليست خسارة آنية، بل إعادة تشكيل قسرية لهرم السكان.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن اتساع رقعة الإعاقات والفقدان داخل العائلات يهدد بتفكيك شبكات الدعم التقليدية. آلاف الأسر باتت تضم شهيدًا أو أكثر، أو طفلًا معاقًا، أو فردًا مفقودًا، في ظل غياب أي نظام رعاية اجتماعية فعّال ما ينذر بارتفاع معدلات الفقر، والتسرّب المدرسي، والاضطرابات النفسية، ويخلق جيلًا مثقلًا بالصدمة والعجز.
والصدمة لا تقتصر على الأفراد، بل تطال المجتمع ككل. فالمساحات العامة، من مدارس ومستشفيات ومخيمات نزوح، تحولت إلى أماكن لإنتاج الألم الجماعي. الأطفال الذين فقدوا أطرافهم أو ذويهم لا يعيشون مأساتهم في عزلة، بل داخل سياق جماعي يكرّس الشعور بانعدام الأمان واستمرار التهديد، ما يفاقم الآثار النفسية ويجعل التعافي أكثر تعقيدًا.
وفي ظل استمرار العمليات العسكرية، يتعذر حتى الآن إجراء حصر نهائي للضحايا، إذ لا يزال آلاف المفقودين تحت الأنقاض أو في مناطق يصعب الوصول إليها. ما يعني أن نسبة الـ12% مرشحة للارتفاع، وأن النزيف الديموغرافي لم يصل بعد إلى ذروته.
وتؤكد منظمات دولية أن ما يجري في غزة يتجاوز توصيف أزمة إنسانية بل تدمير ممنهج للقدرة الحيوية لمجتمع كامل، عبر استهداف مباشر وغير مباشر للفئات الأكثر هشاشة وتأثيرًا في المستقبل.
وفي غياب تدخل دولي فعّال يوقف النزيف ويؤسس لمسار علاج وتأهيل طويل الأمد، ستبقى غزة مثالًا حيًا على كيف يمكن لحرب واحدة أن تترك أثرًا ديموغرافيًا يمتد لأجيال.





