عاد ملف تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى طاولة النقاش داخل المؤسسات الأمنية والسياسية الإسرائيلية، بعدما عقد مسؤولون رفيعو المستوى اجتماعاً جديداً لبحث ما تصفه إسرائيل بـ”الهجرة الطوعية”، في خطوة تثير مجدداً مخاوف من محاولات فرض واقع ديمغرافي جديد في القطاع المحاصر.
وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، اجتمع كبار المسؤولين الأمنيين، لمناقشة إمكانية دفع الفلسطينيين إلى مغادرة غزة، رغم فشل محاولات سابقة لتنفيذ هذه الخطط وغياب أي دولة توافق على استقبال سكان القطاع.
وذكرت صحيفة “هآرتس” أن رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي شموئيل بن عزرا عقد اجتماعاً عاجلاً مع مسؤولين من المؤسسة الأمنية لمراجعة ملف “تشجيع الهجرة الطوعية” من غزة.
وشارك في الاجتماع ممثلون عن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام “الشاباك” وجهاز الاستخبارات الخارجية “الموساد”، وسط نقاشات بشأن الخيارات المتاحة لتنفيذ الخطة.
لكن ممثلي الموساد أبلغوا المشاركين، بحسب التقرير، بأن الجهاز لم يتمكن من تحديد أي دولة مستعدة لاستقبال الفلسطينيين الذين قد يغادرون قطاع غزة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين في وزارة الدفاع الإسرائيلية قولهم إنهم فوجئوا بدرجة الاستعجال في إعادة طرح الملف، خصوصاً أن القضية نوقشت عدة مرات سابقاً دون تحقيق أي تقدم عملي.
وقال أحد المسؤولين إنه “حتى الآن لا توجد أي دولة في العالم مستعدة لاستقبال الفلسطينيين الذين يختارون مغادرة قطاع غزة”، مضيفاً أنه لا توجد أي مؤشرات على تغيير يسمح بتنفيذ مثل هذه الخطوة دون ترتيبات دولية معقدة.
وربطت مصادر أمنية إسرائيلية إعادة فتح الملف بالتطورات السياسية الأخيرة، مشيرة إلى احتمال أن تكون المناقشات جزءاً من تفاهمات أو تعويضات سياسية بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني الأخير.
وقال مصدر أمني إن النقاش المتجدد قد يكون جزءاً من “حزمة” قدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عقب التفاهمات مع طهران.
في المقابل، قال عضو في لجنة الشؤون الخارجية والدفاع بالكنيست إن أي خطة لتهجير سكان غزة تفتقر إلى “الجدوى السياسية والدولية”، بسبب رفض الدول العربية والمجتمع الدولي لهذه الخطوات.
ومنذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تصاعدت داخل إسرائيل الدعوات لإخراج الفلسطينيين من القطاع، تحت مسميات مختلفة بينها “الهجرة الطوعية”.
وأيد مسؤولون إسرائيليون بارزون هذه الأفكار علناً، بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزراء في حكومته مثل يسرائيل كاتس وبتسلئيل سموتريتش وإيتامار بن غفير.
وفي عام 2025، أعلن كاتس إنشاء مديرية خاصة داخل وزارة الدفاع تحت اسم “الهجرة الطوعية” لسكان غزة، مؤكداً لاحقاً أن إخراج السكان الفلسطينيين سيحدث في الوقت المناسب.
وأظهرت استطلاعات رأي إسرائيلية وجود دعم واسع داخل قواعد اليمين لهذه الأفكار، إذ أظهر استطلاع لمعهد السياسات اليهودية أن أكثر من 70% من ناخبي حزب الليكود يؤيدون فكرة إخراج الفلسطينيين من غزة.
ولا يقتصر خطاب التهجير داخل إسرائيل على قطاع غزة، إذ امتد أيضاً إلى الضفة الغربية المحتلة. فقد قال عضو الكنيست عن حزب الليكود نسيم فاتوري، في تصريحات لقناة إسرائيلية، إن الإسرائيليين اليهود “لن يتمكنوا من العيش بسلام حتى يتم إخراج جميع العرب من هذه المنطقة”، في إشارة إلى الضفة الغربية.
وأضاف فاتوري، الذي يشغل منصب نائب رئيس الكنيست، أنه “لا ينبغي أن يكون هناك عرب على الإطلاق”، داعياً إلى تعزيز الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية.
واعتبر أن النقاش داخل إسرائيل يجب أن يتركز حول “أين يجب إبعاد العرب وأين يجب توطين اليهود”، مضيفاً أن طرد الفلسطينيين هو الطريق الوحيد لتعزيز إسرائيل.
وليست هذه المرة الأولى التي يثير فيها فاتوري جدلاً بتصريحاته، إذ سبق أن أعلن تأييده لأفكار الحاخام المتطرف مئير كاهانا الذي دعا تاريخياً إلى طرد الفلسطينيين، كما أدلى بتصريحات متشددة بشأن قطاع غزة بعد هجوم السابع من أكتوبر.
وتأتي هذه النقاشات بينما يحذر فلسطينيون ومنظمات حقوقية من أن مشاريع “الهجرة الطوعية” ليست سوى غطاء لسياسات تهجير قسري تستهدف تغيير الواقع السكاني في غزة، خصوصاً في ظل الدمار الواسع والأزمة الإنسانية التي يعيشها القطاع بعد الحرب.





