في تطور لافت ضمن حرب الظلال المتصاعدة بين إسرائيل وجماعة الحوثي اليمنية، شنت تل أبيب فجر الأربعاء غارات جوية على مطار صنعاء الدولي، ما أسفر عن اندلاع حريق هائل في إحدى الطائرات المدنية وتدمير أجزاء من المدرج، في هجوم وصفته وزارة الجيش الإسرائيلية بأنه “رسالة واضحة لمن يجرؤ على إطلاق النار نحو إسرائيل”.
أعمدة الدخان تصاعدت من مدرج المطار، وظهرت طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية وهي تحترق وسط الحطام المتناثر، بعد أن كانت المرافق الجوية قد بدأت للتو التعافي من غارة إسرائيلية سابقة تسببت في تعليق الرحلات لأيام. أعيد فتح المطار قبل أسبوعين فقط، قبل أن يعاود الهجوم الإسرائيلي شلّ الحركة فيه مجدداً.
وقالت وزارة الجيش الإسرائيلية في بيان إن الغارة “بعثت رسالة واضحة مفادها أن كل من يعتدي على إسرائيل سيدفع ثمناً باهظاً”.
وأعلن وزير الجيش يسرائيل كاتس أن الضربة “دمرت آخر طائرة متبقية يستخدمها الحوثيون”، مؤكداً أن “مطار صنعاء سيتعرض للتدمير مراراً وتكراراً، تماماً كالبنية التحتية الاستراتيجية التي تستخدمها منظمة الحوثي”.
خلفية الصراع
منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، تبنّى الحوثيون موقفاً معلناً في دعم المقاومة الفلسطينية، وشنوا عشرات الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة نحو إسرائيل، في تحرك غير مسبوق من الأراضي اليمنية باتجاه العمق الإسرائيلي.
ورغم المسافة الجغرافية، فإن هذه الهجمات تمثل تحدياً أمنياً وسياسياً لإسرائيل، خاصة مع ما تسببه من تعطيل في الرحلات الجوية، وإجبار مئات الآلاف من الإسرائيليين على التوجه إلى الملاجئ.
وقد طالت الهجمات الحوثية أيضاً الملاحة الدولية، إذ تعرضت سفن شحن تجارية لهجمات متكررة في البحر الأحمر وباب المندب، في محاولات متزامنة للضغط على إسرائيل وحلفائها، وعلى رأسهم الولايات المتحدة.
إسرائيل ترد بالقوة
الغارات الجوية الإسرائيلية ليست جديدة في اليمن، إذ كثّفت تل أبيب خلال الشهور الماضية عملياتها الجوية على مواقع تابعة للحوثيين، بما في ذلك موانئ، ومواقع تصنيع الصواريخ، ومطارات عسكرية.
وكانت هذه الضربات تتم في الغالب ضمن عمليات تنسيق استخباراتي مع واشنطن، إلا أن الحملة الأمريكية الموازية التي استهدفت مواقع الحوثيين توقفت منذ أسابيع، تاركة المجال لإسرائيل للتحرك منفردة في مواجهة ما تصفه بـ”الذراع الإيرانية في شبه الجزيرة العربية”.
مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو صرّح بعد الغارة أن “إسرائيل تتحرك وفق مبدأ بسيط: من يعتدي علينا، نرد عليه بقوة مضاعفة”. وأضاف: “الحوثيون مجرد واجهة، أما العدو الحقيقي فهو إيران، الداعم الرئيسي لهذه الجماعة والمنسق للهجمات الإقليمية التي نتعرض لها”.
استعراض الردع
رغم أن الغارة على مطار صنعاء لا تغيّر جذرياً في ميزان القوة العسكري، إلا أنها تحمل أبعاداً رمزية واستراتيجية، إذ تسعى إسرائيل من خلالها إلى إظهار قدرتها على الضرب في عمق اليمن، على بعد أكثر من ألفي كيلومتر، في رسالة مزدوجة إلى الحوثيين من جهة، وإلى طهران من جهة أخرى.
إلا أن فعالية هذه الضربات في وقف الهجمات الحوثية تبقى موضع شك، خاصة وأن الجماعة لا تزال تملك ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وقدرة على مواصلة الضغط البحري في مضيق باب المندب، وهو ما يهدد حركة التجارة الدولية ويفرض تحديات جديدة أمام الأمن البحري في المنطقة.
ويُعد مطار صنعاء الدولي أحد أبرز الأهداف المتكررة في الضربات الإسرائيلية، نظراً لاستخدامه المحتمل كمركز لنقل الأسلحة أو إطلاق المسيّرات، بحسب المزاعم الإسرائيلية.
كما أن تعطيله يشكّل ورقة ضغط اقتصادية وسياسية على الحوثيين، خاصة في ظل عزلة مطبقة تعانيها صنعاء منذ سنوات.
في هذا السياق، تشير الضربات الإسرائيلية إلى محاولة متعمدة لتقويض ما تبقى من مظاهر سيطرة مدنية للحوثيين، وتجريدهم من أدوات إدارة الشأن العام، كالمطارات والموانئ، ما يزيد من الكلفة السياسية والإنسانية للصراع الممتد.
تصعيد مفتوح
الغارة الأخيرة تندرج في سياق تصعيد إقليمي مفتوح، إذ تتداخل الحرب في غزة مع تصدعات أخرى تشمل اليمن ولبنان وسوريا، وكلها ساحات تُستخدم فيها الوكلاء للضغط أو الردع. وإسرائيل، التي تجد نفسها في مواجهة جبهات متعددة، تعزز من استراتيجيتها القائمة على الردع بضربات نوعية بعيدة المدى.
لكن، ومع استمرار الهجمات من الجانب الحوثي، يبدو أن تل أبيب لم تنجح بعد في ردع الجماعة اليمنية بشكل نهائي، وهو ما يشير إلى أن الصراع مرشح لمزيد من التوسع، في ظل تآكل الحدود التقليدية للمواجهة، وتحول الساحة اليمنية إلى منصة جديدة في معركة إقليمية معقدة.




