في تصعيد خطير يفاقم الكارثة الإنسانية المتواصلة في قطاع غزة، فتحت القوات الإسرائيلية النار مجددًا على فلسطينيين كانوا يتجمعون في محيط نقاط توزيع مساعدات إغاثية وسط القطاع، ما أسفر عن قتل 15 مدنيًا على الأقل وإصابة العشرات، وفق مصادر محلية وتقارير طبية.
الهجوم الدموي المذكور يأتي ضمن سلسلة طويلة من الاعتداءات الإسرائيلية على المدنيين الساعين للحصول على الغذاء، في ظل الحصار الخانق المفروض منذ نحو ثلاثة أشهر. وفي وقت لا تزال فيه الأمم المتحدة تصف الوضع الإنساني في غزة بأنه “كارثي”، تزداد التحذيرات من عسكرة المساعدات وتحويلها إلى أداة للقتل والتجويع الجماعي.
أفادت تقارير وشهادات ميدانية أن قوات الاحتلال أطلقت الرصاص الحي تجاه مواطنين فلسطينيين كانوا يتزاحمون للحصول على مساعدات من إحدى نقاط التوزيع التابعة لمؤسسة “غزة الإنسانية” التي تدير نموذجًا جديدًا للإغاثة، يشرف عليه الجيش الإسرائيلي ومتعاقدون أمنيون أميركيون خاصون.
الهجوم أسفر عن سقوط 15 شهيدا على الأقل في منطقة النصيرات وسط القطاع، بينهم نساء وأطفال، فضلًا عن عشرات الجرحى، بعضهم في حالة حرجة.
وقال مسعفون إن قوات الاحتلال أطلقت النار من مسافة قريبة، ما أدى إلى إصابات مباشرة في الرأس والصدر، في مشهد وصفه الشهود بـ”المجزرة المتعمدة”.
الأمم المتحدة: المساعدات تحولت إلى سلاح
في أول تعليق رسمي، حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من أن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة، إضافة إلى نموذج توزيع المساعدات الذي تنفذه مؤسسة “غزة الإنسانية”، تُعد “عرقلة ممنهجة للإغاثة”، مشيرًا إلى أن هذا النموذج فشل في ضمان وصول المساعدات للمحتاجين بأمان.
وقال المتحدث باسم “أوتشا”، ينس ليركه، خلال مؤتمر صحفي في جنيف يوم الجمعة: “أعتقد أنه من العدل أن نقول إن مؤسسة التمويل الدولية، المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت فاشلة من وجهة نظر إنسانية مبدئية. إنهم لا يقومون بما ينبغي أن تقوم به العملية الإنسانية، وهو تقديم المساعدات للأشخاص أينما كانوا، بطريقة آمنة ومأمونة”.
وكانت مؤسسة “غزة الإنسانية” قد أُطلقت نهاية مايو/أيار تحت إشراف مباشر من مؤسسة التمويل الدولية، وتعمل بمشاركة شركات أمنية أميركية خاصة، لحماية قوافل المساعدات في القطاع.
إلا أن تدخل القوات الإسرائيلية في عمليات التوزيع، وتحديد أماكن التوزيع في مناطق مفتوحة وغير آمنة، أدى إلى عشرات الحوادث المميتة، راح ضحيتها أكثر من 274 فلسطينيًا منذ بداية المشروع، بحسب إحصاءات محلية.
الأونروا: وصفة للفوضى
من جانبها، اعتبرت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أن النموذج الأميركي-الإسرائيلي لتوزيع المساعدات “يشكل وصفة للفوضى”، مؤكدة أنه “ينتهك المبادئ الأساسية للعمل الإنساني ويؤدي إلى إهدار الموارد وتغذية مشاعر الخوف واليأس”.
وقالت الأونروا في بيان نُشر على منصة “إكس” (تويتر سابقًا): “المساعدات تُستخدم كسلاح، مما يؤدي إلى التمييز والخوف المتزايد بين المدنيين. هذا النموذج لا يخفف المعاناة، بل يفاقمها”.
وطالبت الوكالة الدولية برفع الحصار الإسرائيلي عن قطاع غزة فورًا، واستئناف عمليات الإغاثة بقيادة الأمم المتحدة، بما يضمن “توزيعًا آمنًا وواسع النطاق للمساعدات دون تدخل عسكري”.
مجاعة ودمار… وأرقام صادمة
منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، قُتل أكثر من 55,297 فلسطينيًا في العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، بينهم آلاف الأطفال والنساء، بحسب بيانات وزارة الصحة في غزة.
كما أدى الحصار المفروض على القطاع، وحرمان السكان من المياه النظيفة والغذاء والدواء، إلى تفشي المجاعة وسوء التغذية الحاد، خصوصًا بين الأطفال.
وتُحذر منظمات إنسانية من أن استمرار عرقلة دخول المساعدات، و”عسكرة الإغاثة” من قبل الاحتلال، يمثلان خطرًا وجوديًا على سكان القطاع، وقد يؤديان إلى مجاعات جماعية وارتفاع كبير في أعداد الوفيات غير القتالية.
مؤسسة “غزة الإنسانية”: غطاء للإبادة
وفي تقارير متزايدة، تُتهم مؤسسة “غزة الإنسانية” بأنها “واجهة إنسانية لإخفاء جرائم الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل”، كما جاء في تقرير نشره مركز حقوقي فلسطيني مطلع الشهر الجاري.
ويشير التقرير إلى أن وجود متعاقدين عسكريين أميركيين على الأرض في غزة “يفتح الباب لمساءلات قانونية دولية بشأن مسؤولية واشنطن عن الانتهاكات الجارية”.
وفي الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات الدولية لتحقيق مستقل في الانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين في غزة، تواصل حكومة الاحتلال تحدي كل نداءات وقف إطلاق النار أو فتح المعابر الإنسانية، مُصممة على فرض نموذج “المساعدات بالقوة”، الذي بات في جوهره استمرارًا لسياسة التجويع والإبادة الجماعية تحت غطاء إنساني مزيف.
وفي ظل انعدام المحاسبة الدولية واستمرار الصمت الرسمي من معظم الحكومات الغربية، يجد سكان غزة أنفسهم عالقين بين جوع قاتل وقصف متواصل، بينما تُحوَّل المساعدات من حق إنساني إلى أداة حرب، تقتل من لا يموت من الجوع.




