فجّر القيادي التاريخي في حركة “فتح” عدلي صادق، قنبلة سياسية جديدة باتهامه الصريح لما وصفه بـ”مافيا مشتركة” مكوّنة من عناصر في مخابرات السلطة الفلسطينية وضباط من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، بالضلوع في إدخال المواد الغذائية والمستلزمات إلى قطاع غزة وبيعها بأسعار فاحشة على حساب الجوعى والمحاصرين.
وكتب صادق، وهو من أبرز الأصوات المنتقدة للسلطة من داخل حركة فتح، منشورًا عبر صفحته على “فيسبوك” اتهم فيه أطرافًا رسمية فلسطينية بالاشتراك مع الاحتلال في تجارة سوداء خالية من أي بُعد إنساني، معتبرًا أن هذه الآلية التي تتم عبر ما يُسمى بـ”التنسيق الأمني” هي وجه آخر للخيانة المنظمة والمغطاة رسميًا.
“تنسيق خياني مجرد من الإنسانية”
وقال صادق إن “المواد الغذائية والكثير من المستلزمات التي يجري إيصالها إلى غزة، تدخل لتُباع بأسعار فاحشة من خلال آلية التنسيق الخياني المجرد من الإنسانية”.
وأضاف أن هذا التنسيق يتم بين جهات إسرائيلية وفلسطينية نافذة، يشترك فيها “تجار وضباط من المتعاونين مع العدو وعناصر تنسيق”، وأن هؤلاء جميعًا “لهم سقوفهم المعلومة التي توفّر لهم التغطية مقابل حصص من الأرباح”.
واعتبر صادق أن هذه الممارسات تمثل شراكة واضحة مع الاحتلال في عملية “قتل المجوعين”، مستدلًا بما يحدث أمام مراكز توزيع المساعدات التي وصفها بـ”الحقيرة”، في إشارة إلى طوابير المدنيين التي تُقابل أحيانًا بالرصاص والإذلال، أو يضطر الناس فيها لشراء سلع بأسعار تفوق قدرتهم أضعافًا مضاعفة.
مافيا فوق القانون
القيادي الفتحاوي، اتهم عناصر هذه الشبكة بأنهم “لا يكترثون لانكشافهم ولا يزعجهم أن القناعات الشعبية باتت راسخة بخيانتهم”، مشيرًا إلى أن البعض منهم لا يزال يُراهن على أن الحرب ستنتهي دون أن تطالهم المحاسبة، فيما يتوهم آخرون أن الحماية السياسية والأمنية ستظل قائمة.
وقال صادق: “صحيح إن كل الأسماء لا تكترث لانكشافها ولا تزعجها القناعات القطعية بانكشافها، وحتمية الانكشاف الآجل لمن لم ينكشف منها.. لكن هؤلاء ـ لغبائهم وسفالتهم ـ يراهنون على أن الحرب ستنتهي دون أن يكون أحد قادراً على محاسبة أحد”.
تحذير من فوضى المحاسبة القادمة
وفي تحذير واضح لهؤلاء، رأى صادق أن المحاسبة قادمة لا محالة، إما عبر سلطة وطنية نزيهة تقودها الإرادة الشعبية مستقبلاً، أو عبر مجموعات ناقمة قد تتجه إلى “الرد العنيف” خلال حالة الفوضى التي عادة ما تتبع الحروب والانهيارات الاجتماعية.
وأضاف: “الجهل عمود الطمأنينة، وفق تعبير الفيلسوف والمتصوف النَّفري.. فهؤلاء بقدر ما هم خائنون؛ أغبياء، لا يعرفون أن المحاسبة سيكون لها أحد مسارين لا مناص من أحدهما أو كلاهما: إما أن تحاسبهم سلطة شريفة ووطنية بالقانون، وإما أن يطالهم رد الفعل العنفي من إحدى المجموعات الناقمة”.
أزمة أخلاقية ووطنية
تأتي تصريحات صادق وسط تزايد السخط الشعبي في قطاع غزة على الفوضى التي تحكم ملف المساعدات الإنسانية وغياب الرقابة، حيث يشتكي السكان من احتكار السوق السوداء للمواد الغذائية، في ظل نقص حاد في الطحين، وارتفاع أسعار الخضار واللحوم والوقود إلى مستويات غير مسبوقة.
وتصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة الاتهامات لأشخاص مقربين من السلطة الفلسطينية وبعض المتنفذين داخل القطاع بأنهم يحققون أرباحًا طائلة من خلال إدخال كميات من المساعدات بالتنسيق مع سلطات الاحتلال، وبيعها لتجار محددين في السوق بسعر الجملة، ليتحكم هؤلاء لاحقًا في الأسعار داخل الأحياء والأسواق.
ويؤكد مراقبون أن هذا النمط من السلوك ينتهك أبسط القيم الوطنية والإنسانية، ويعكس فشلًا فادحًا في إدارة أحد أخطر الملفات خلال حرب الإبادة المتواصلة على غزة.
وتصريحات صادق تضيف مزيدًا من الضغط على السلطة الفلسطينية، التي يحمّلها الغالبية العظمى من الفلسطينيين مسؤولية التواطؤ مع الاحتلال، خاصة عبر آلية “التنسيق الأمني”، التي لم تتوقف رغم المجازر والانهيار الإنساني في القطاع.
كما يعيد كلامه للأذهان تقارير صحفية سابقة تحدثت عن دخول مساعدات عبر آليات خاصة لا تخضع لإشراف أممي أو حكومي مستقل، بل تُدار من خلال شبكات مغلقة يتولى أفراد محددون مسؤوليتها، بما يضمن استفادة النخب النافذة منها على حساب المدنيين.
صرخة تحذير… ورسالة إلى ما بعد الحرب
ختم صادق منشوره بجملة لافتة: “المزاريب تصب، في كل ساعة، وقد أعذر من أنذر”، في إشارة إلى أن الخطر يتفاقم، وأن الصمت عن هذه الممارسات لم يعد مقبولًا، خصوصًا في وقت يعيش فيه القطاع واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه.
ويرى مراقبون أن تصريحات صادق لا يمكن فصلها عن موجة الغضب الكامنة في الشارع الفلسطيني، التي قد تنفجر لاحقًا في وجه كل من تاجر بدماء الناس وجوعهم.
ففي حين يتحدث المجتمع الدولي عن الهدنة ومرحلة ما بعد الحرب، يلوّح صادق والعديد من الأصوات الأخرى بأن هناك ملفات لن تُغلق دون محاسبة، وأن مرحلة “الإفلات من العقاب” قد تشارف على نهايتها، سواء جاء ذلك عبر مسار العدالة أو عبر انفجار اجتماعي قادم لا يعرف أحد شكله ولا مداه.




