يجتمع اليوم في مقر الأمم المتحدة في نيويورك عشرات من وزراء خارجية الدول الأعضاء لمناقشة مستقبل الدولة الفلسطينية، في مؤتمر طال انتظاره وتم تأجيله في يونيو/حزيران الماضي بسبب التصعيد العسكري الإسرائيلي على إيران.
ويأتي المؤتمر بمبادرة مشتركة بين فرنسا والمملكة العربية السعودية، في وقت تشهد فيه القضية الفلسطينية زخمًا دبلوماسيًا متصاعدًا على الساحة الدولية، لا سيما بعد أن تعهدت باريس الأسبوع الماضي بالاعتراف بدولة فلسطين رسميًا في سبتمبر المقبل.
غياب لافت للولايات المتحدة وإسرائيل
في حين تشارك غالبية دول العالم في المؤتمر، تغيب كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، في موقف يعكس استمرار التحفظ الأمريكي والدعم غير المشروط للحكومة الإسرائيلية، رغم التحولات الدولية المتسارعة باتجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ويرى مراقبون أن المقاطعة الأمريكية للمؤتمر تكشف هشاشة الخطاب الأمريكي حول دعم “حل الدولتين”، في الوقت الذي تمارس فيه إدارة بايدن حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لمنع عضوية فلسطين الكاملة في الأمم المتحدة.
فرنسا تتعهد بقيادة “ديناميكية سياسية جديدة”
وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في تصريحات عشية المؤتمر إن بلاده ستقود جهودًا جديدة للدفع نحو اعتراف دولي أوسع بفلسطين.
وأوضح: “سنعمل من نيويورك على تعبئة الدول للانضمام إلى فرنسا في الاعتراف بدولة فلسطينية ذات سيادة، وفق جدول زمني ينتهي في 21 سبتمبر المقبل، خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة”.
وأكد بارو أن باريس تسعى إلى إطلاق ديناميكية أكثر طموحًا وصرامة تجاه حل الدولتين، معتبرًا أن الاعتراف الدولي بفلسطين هو خطوة ضرورية لاستعادة التوازن في مفاوضات السلام ووقف التصعيد.
ومع ذلك، أشار بارو إلى أن بلاده تتوقع من الدول العربية إدانة حماس والدعوة إلى نزع سلاحها بحلول الموعد المذكور، وهو شرط أثار ردود فعل متباينة في أوساط المراقبين.
دعم واسع من الجمعية العامة… في مواجهة “فيتو” أمريكا
تأتي هذه الخطوة بعد أن صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة في مايو/أيار الماضي بأغلبية ساحقة لصالح تأييد أهليّة فلسطين للحصول على العضوية الكاملة في المنظمة الدولية، وحثت مجلس الأمن على “إعادة النظر إيجابيًا” في طلب العضوية.
وحظي القرار حينها بتأييد 143 دولة مقابل 9 معارضة، ما اعتُبر بمثابة استطلاع عالمي يُظهر التأييد الكبير لفكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، وتشمل الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة.
إلا أن الولايات المتحدة عرقلت هذا المسعى عبر استخدامها حق النقض في مجلس الأمن، مما دفع الفلسطينيين إلى التحرك على مستوى الجمعية العامة والمجتمع الدولي.
السعودية تدعم “الحل العادل” وتدعو لإنهاء الاحتلال
من جهتها، تؤدي المملكة العربية السعودية دورًا محوريًا في المؤتمر، بصفتها الراعي المشترك، حيث أكدت في افتتاح الجلسات أنها لا تزال ملتزمة بدعم حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.
وقال وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان إن المملكة “تدعم قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، عاصمتها القدس الشرقية”، مشيرًا إلى أن العدوان الإسرائيلي المستمر، والممارسات الاستيطانية، يقوضان أي فرصة لتحقيق السلام العادل.
وأكد بن فرحان أن “حل الدولتين يجب ألا يبقى شعارًا بل مسارًا عمليًا تُبنى عليه التزامات دولية واضحة”، داعيًا إلى مساءلة إسرائيل على جرائمها وانتهاكاتها المتواصلة للقانون الدولي.
دلالات سياسية متزايدة رغم محدودية النتائج العملية
يعد المؤتمر رغم تأجيله خطوة سياسية رمزية مهمة، تعكس التحول في المزاج الدولي بعد شهور من الحرب الإسرائيلية المكثفة على قطاع غزة، والتي أدت إلى سقوط عشرات الآلاف من الضحايا، وتزايد الدعوات العالمية لإنهاء الاحتلال والاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير.
ويقول محللون إن أهمية المؤتمر تكمن في كسر احتكار الولايات المتحدة للملف الفلسطيني-الإسرائيلي، وفتح المجال لمبادرات متعددة الأطراف تعكس التوازن الدولي الجديد، خاصة بعد انضمام عدد من الدول الأوروبية مثل إيرلندا وإسبانيا وسلوفينيا إلى الاعتراف بفلسطين رسميًا.
وفي الوقت ذاته، يرى آخرون أن غياب إسرائيل والولايات المتحدة سيحدّ من الأثر التنفيذي لأي مخرجات للمؤتمر، ما لم يُترجم إلى خطوات أحادية من دول كبرى بالاعتراف والضغط السياسي.
نحو سبتمبر… والأنظار على الجمعية العامة
يتجه التركيز الآن نحو اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل، والذي تخطط خلاله فرنسا لإعلان اعترافها الكامل بالدولة الفلسطينية، فيما يُتوقع أن تحذو دول أوروبية وأفريقية وآسيوية أخرى حذوها، ما سيزيد من عزلة إسرائيل سياسيًا.
وفي ظل استمرار الاستيطان والانتهاكات على الأرض، يبدو أن الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية بات يمثل أحد آخر أدوات العدالة السياسية الممكنة في نظام دولي يزداد استقطابًا وازدواجية. لكن السؤال المطروح اليوم: هل يكفي الاعتراف دون مساءلة الاحتلال؟




