تعيش العاصمة اللبنانية بيروت حالة مزدوجة من الأمل والخوف، عقب إعلان هدنة مؤقتة لوقف عدوان إسرائيل، في وقت لا يزال فيه المشهد الميداني والسياسي مفتوحاً على احتمالات التصعيد من جديد.
ويعكس سلوك السكان في بيروت هذا التردد بوضوح؛ فبينما عاد البعض سريعاً إلى الضواحي الجنوبية لتفقد منازلهم، فضّل آخرون التريث، غير مقتنعين بقدرة الهدنة التي تمتد عشرة أيام على الصمود.
وشهدت الضاحية الجنوبية، التي تعرضت لقصف مكثف خلال الأسابيع الماضية، عودة تدريجية للسكان رغم الدمار الواسع.
وقال أحد السكان إن التجربة السابقة مع وقف إطلاق النار في عام 2024 كانت مختلفة، حيث ساد التفاؤل آنذاك، أما اليوم فالحذر هو العنوان الأبرز، في ظل شعور عام بأن هذه الهدنة قد تكون مجرد استراحة مؤقتة.
ورغم غياب الطائرات الحربية من الأجواء، فإن أصوات إطلاق النار الاحتفالي عكست مزيجاً من الارتياح والتوتر، ما دفع الجيش اللبناني إلى توقيف عدد من الأشخاص بسبب إطلاق النار في الهواء.
وتُظهر الطرق المؤدية إلى الجنوب مشهداً متناقضاً؛ فبينما تعود بعض العائلات إلى مناطقها، لا يزال آخرون غير قادرين على المغادرة بسبب الدمار أو انعدام الخدمات الأساسية.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من مليون شخص نزحوا خلال الحرب، ما يجعل عملية العودة معقدة في ظل غياب بنية تحتية قادرة على استيعابهم مجدداً.
ويواجه لبنان تحدياً كبيراً في إعادة الإعمار، في وقت تعاني فيه الدولة من أزمة اقتصادية خانقة تحدّ من قدرتها على تقديم الدعم.
وقد أدت الضربات العسكرية إلى تدمير أحياء واسعة، ما يجعل عودة الحياة الطبيعية أمراً بعيد المنال في المدى القريب، خاصة مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمناطق في الجنوب.
في هذا السياق، أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون استعداده للتحرك “إلى أي مكان” من أجل التوصل إلى اتفاق ينقذ البلاد، في إشارة إلى انفتاح بيروت على مسار سياسي يتجاوز الهدنة المؤقتة.
وشدد عون على أن أي مفاوضات ستكون دون تنازلات، مؤكداً تمسك لبنان بسيادته ورفضه التخلي عن أي جزء من أراضيه، رغم الضغوط الإقليمية والدولية.
ولم يستبعد عون احتمال الانخراط في محادثات أوسع قد تشمل أطرافاً دولية، خاصة بعد دعوة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإجراء لقاءات قد تضم قيادات من الجانبين.
غير أن هذه الخطوة تبقى محفوفة بالتعقيدات، في ظل غياب علاقات دبلوماسية مباشرة بين لبنان وإسرائيل، ووجود حساسيات داخلية كبيرة تجاه أي مسار تفاوضي.
على الأرض، لا تزال المؤشرات غير مطمئنة؛ إذ أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الجيش سيواصل السيطرة على المواقع التي سيطر عليها خلال العمليات الأخيرة، في موقف يثير مخاوف من تثبيت واقع ميداني جديد.
كما أن الهدف الإسرائيلي المعلن، المتمثل في إضعاف أو إنهاء دور حزب الله، لم يتحقق بالكامل، ما يعزز احتمالات عودة المواجهة بعد انتهاء الهدنة.
ورغم هذه المعطيات، لا يخلو المشهد من مظاهر التفاؤل، حيث عبّر بعض السكان عن أملهم في أن تتحول هذه الهدنة إلى فرصة حقيقية للسلام، خاصة مع بدء عودة الحياة تدريجياً إلى بعض المناطق.
لكن هذا التفاؤل يبقى هشاً، في ظل إدراك واسع بأن جذور الصراع لا تزال قائمة، وأن أي تهدئة مؤقتة قد تنتهي سريعاً إذا لم تُترجم إلى اتفاق طويل الأمد.





