تشهد منطقة الشرق الأوسط سباقًا متسارعًا لإعادة رسم خريطة الممرات التجارية، في ظل توجه عدد من الدول العربية والإقليمية إلى تطوير مشاريع نقل وخدمات لوجستية جديدة تقلل الاعتماد على المسارات التقليدية، وسط مؤشرات على تراجع الزخم الذي رافق مشروع “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا” (IMEC)، والذي كان يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز المشاريع الهادفة إلى ربط الهند بأوروبا عبر الخليج وإسرائيل.
ويشير الكاتب أحمد القروط، في قراءة تحليلية، إلى أن التحولات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، ثم المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران، دفعت عدداً من الدول إلى إعادة تقييم أولوياتها التجارية واللوجستية، والبحث عن بدائل تقلل المخاطر المرتبطة بالممرات التي تعتمد على إسرائيل كنقطة عبور رئيسية.
وكان مشروع IMEC، الذي أُعلن عنه خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023، يقوم على نقل البضائع من الهند بحراً إلى الإمارات، ثم عبر شبكة سكك حديدية تمر بالسعودية والأردن وصولاً إلى ميناء حيفا، قبل نقلها إلى أوروبا. غير أن المشروع واجه تحديات سياسية وأمنية متلاحقة، أبرزها الحرب في غزة، التي جمدت مسار التطبيع السعودي الإسرائيلي، وأوقفت عملياً تنفيذ الجزء البري من المشروع.
ويرى القروط أن الحرب الأخيرة مع إيران أضافت تحدياً جديداً، بعدما تعرضت الموانئ والبنية التحتية الإسرائيلية لهجمات صاروخية، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات حول قدرة إسرائيل على أداء دور مركز إقليمي مستقر للتجارة الدولية، خاصة مع استمرار التوترات الأمنية.
وفي المقابل، بدأت دول المنطقة العمل على تطوير مشاريع بديلة. فقد وقعت السعودية وتركيا خلال يونيو الماضي مذكرات تفاهم لإحياء خط سكة حديد الحجاز التاريخي، بما يسمح بربط البلدين عبر الأردن وسوريا، بينما دخلت الإمارات في محادثات لتطوير ممر تجاري يمتد من الساحل السوري مروراً بالعراق وصولاً إلى موانئ الخليج.
كما عززت الإمارات استثماراتها في قطاع الموانئ، إذ وقعت شركة موانئ دبي العالمية اتفاقية امتياز طويلة الأجل لتطوير محطات جديدة على ساحل بحر العرب، في خطوة تهدف إلى توسيع خيارات النقل البحري وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
ويشير التقرير إلى أن السعودية بدورها كثفت استثماراتها في البنية التحتية للنقل، عبر تطوير ممرات للشحن تربط موانئ الخليج بالحدود الأردنية، إلى جانب تعزيز قدرات خط أنابيب “بترولاين” الممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يوفر مساراً بديلاً لصادرات النفط بعيداً عن مضيق هرمز.
وفي العراق، يتواصل العمل على مشروع “طريق التنمية” الذي يربط ميناء الفاو الكبير بتركيا ومنها إلى أوروبا، بالتوازي مع مشاريع لإنشاء مدينة صناعية للطاقة في شبه جزيرة الفاو، في إطار مساعٍ لتحويل البلاد إلى عقدة لوجستية بين الخليج وأوروبا.
ويرى أحمد القروط أن هذه المشاريع تعكس توجهاً متزايداً لدى دول المنطقة لتنويع طرق التجارة وعدم ربطها بمسار واحد، إلا أنه يشير في الوقت نفسه إلى أن جميع هذه الخطط لا تزال تواجه تحديات كبيرة، سواء من حيث الجدوى الاقتصادية أو البيئة الأمنية المحيطة بها.
ومن أبرز هذه التحديات، بحسب الكاتب، محدودية قدرة النقل البري على منافسة النقل البحري في أحجام التجارة العالمية، إذ تستطيع سفينة حاويات واحدة نقل عشرات الآلاف من الحاويات في رحلة واحدة، بينما تحتاج شبكات السكك الحديدية إلى استثمارات ضخمة لتحقيق مستويات مماثلة من الكفاءة.
كما يلفت إلى أن العديد من الموانئ الإقليمية، بما فيها الموانئ العراقية، ما زالت بحاجة إلى تطوير بنيتها التحتية وزيادة أعماقها لاستقبال السفن العملاقة، في حين يظل النقل البحري الخيار الأكثر كفاءة لنقل البضائع بين آسيا وأوروبا.
ويضيف التقرير أن التحدي الآخر يتمثل في استمرار التوترات الإقليمية، خاصة ما يتعلق بأمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وهو ما دفع عدداً من الدول إلى البحث عن مسارات بديلة لتصدير النفط والبضائع وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية.
ويخلص أحمد القروط إلى أن مشاريع الممرات التجارية الجديدة تعكس تحولات مهمة في أولويات دول المنطقة، إلا أن نجاحها سيظل مرهوناً بقدرتها على توفير بيئة مستقرة وآمنة للتجارة الدولية، وبمدى قدرتها على استقطاب الاستثمارات وحركة البضائع.





