في كنيسة المهد، حيث وُلدت قصة الميلاد قبل أكثر من ألفي عام، حمل قداس منتصف ليلة عيد الميلاد هذا العام معنىً يتجاوز الطقوس الدينية، ليضع معاناة غزة في صميم الصلوات والرسائل الروحية.
فقد أكد الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك اللاتين في القدس، أن آلام سكان القطاع لا تزال حاضرة رغم توقف الحرب الإسرائيلية، مشدداً على أن الأمل والتجدد ما زالا ممكنين.
وقبل ساعات من بدء القداس، احتشد مئات المؤمنين داخل الكنيسة العريقة، فامتلأت أروقتها بالهمسات والترقب والدعاء. جلس المصلون في مقاعدهم مبكراً، في مشهد يعكس شوقاً لعيد الميلاد بعد سنوات من القيود والتوتر.
وفي الخارج، فرضت إجراءات أمنية مشددة مع وصول مسؤولين فلسطينيين وشخصيات دبلوماسية أجنبية، حيث تولى قادة الكشافة، الذين كانوا قد قادوا فرق الموسيقى العسكرية في شوارع بيت لحم في وقت سابق من اليوم، تنظيم الدخول والتحقق من التذاكر عند الأبواب الضيقة.
داخل الكنيسة، ارتدى رجال الدين ملابسهم البيضاء ورددوا الترانيم المتواصلة، معظمها باللاتينية والإيطالية، في أجواء غلب عليها الخشوع.
وتقدم الدبلوماسيون إلى الصفوف الأمامية، بينما وقفت فرق حمايتهم تراقب الحشود من الخلف. وسادت لحظات من الاضطراب حين دخل نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، بعد تقارير تحدثت عن احتمال منعه من الوصول إلى بيت لحم، قبل أن تستعيد الأجواء هدوءها تدريجياً.
وبينما كان البروتوكول الرسمي حاضراً، تفاعل المصلون بطرق أكثر إنسانية وهدوءاً. بدت علامات التعب على بعضهم بسبب طول الصلوات، فيما راقب آخرون المشهد بعينين دامعتين، متأثرين بعودة الحياة إلى المكان بعد سنوات من الفراغ.
وقبيل منتصف الليل بقليل، اصطف المصلون على جانبي الممر لإفساح المجال لموكب الكاردينال بيتسابالا، الذي توقف مراراً ليبارك الحشود قبل وصوله إلى المذبح. وبعد أكثر من ساعة، ألقى عظته التي ركز فيها على المعنى الروحي لعيد الميلاد في ظل واقع المنطقة.
وقال البطريرك إنه شعر بعودة الفرح ونبض الحياة إلى بيت لحم، معرباً عن أمله في أن يرى العالم “الجانب الآخر من الأرض المقدسة”، الجانب الذي لا يختزل في الصراع والحرب، بل يفيض بالحياة والالتزام بها.
لكنه انتقل سريعاً للحديث عن غزة، التي زارها قبل أسبوع، مشيراً إلى أن توقف الحرب لم ينهِ المعاناة الإنسانية.
وأضاف: “العائلات لا تزال تعيش بين الأنقاض، والمستقبل يبدو هشاً وغير مؤكد”، مؤكداً في الوقت ذاته أن عيد الميلاد يحمل رسالة تجديد لسكان القطاع.
ووصف قوة أهل غزة وإصرارهم على البدء من جديد، رغم الجراح العميقة، بأنها “شهادة حيّة على معنى الميلاد الحقيقي”.
ومع سريان وقف إطلاق النار، عادت الحشود إلى كنيسة المهد بعد عامين من شبه الخلو، فعادت بيت لحم لتنبض بروح العيد.
وقالت سيلين ناستاس، البالغة من العمر 17 عاماً: “من المنعش أن نرى كل شيء يعود إلى طبيعته. أشعر بأن عيد الميلاد هذا العام مختلف، وأكثر أملاً”.





