اضطر أحد المستشفيات الرئيسية في قطاع غزة، الذي أنهكته الحرب والحصار، إلى تعليق معظم خدماته الطبية، في مؤشر جديد على الانهيار المتسارع للمنظومة الصحية، رغم مرور أكثر من شهرين على إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر.
وتؤكد السلطات الصحية في غزة أن السبب المباشر هو النقص الحاد في الوقود الناتج عن استمرار القيود الإسرائيلية على إدخال الإمدادات الأساسية.
وقال أحمد مهنا، مدير مستشفى العودة الواقع في مخيم النصيرات للاجئين وسط القطاع، إن الطواقم الطبية اضطرت، “وبقلوب مثقلة”، إلى تعليق غالبية الخدمات الحيوية بسبب نفاد الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية.
وأوضح مهنا في تصريحات للصحفيين، أن حرمان المؤسسات الصحية من الوقود يعني عملياً حرمان آلاف الفلسطينيين من الرعاية الطبية المنقذة للحياة.
ويُعد مستشفى العودة من المرافق الطبية المحورية في وسط غزة، حيث يقدم خدمات الأمومة والطفولة، ويشرف على رعاية أكثر من اثني عشر طفلاً يعانون من سوء تغذية حاد.
وبحسب إدارة المستشفى، سيتم نقل ما لا يقل عن 30 طفلاً إلى مرافق طبية أخرى، في خطوة اضطرارية تعكس حجم العجز المتفاقم في القدرة التشغيلية.
ويُقدّر أن المستشفى، الذي يسجل في الظروف الطبيعية نحو 1500 ولادة شهرياً، يتعامل مع قرابة 30 في المائة من إجمالي الولادات في المنطقة الوسطى من القطاع.
ورغم تعليق معظم الخدمات، أكد مهنا أن وحدات الطوارئ والولادة ستبقى تعمل فقط للحالات الأكثر خطورة، محذراً من أن “التوقف الكامل للخدمات الطبية سيؤدي إلى أزمة حقيقية وكارثية”.
ويأتي هذا التطور في وقت تشير فيه بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن نحو 10 في المائة فقط من إمدادات الوقود المتفق عليها دخلت القطاع منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر، في خرق واضح لبنود الاتفاق.
وكان من المفترض، وفق التفاهمات المعلنة، السماح بدخول نحو 600 شاحنة مساعدات يومياً، بينها 50 شاحنة وقود، إلا أن الواقع على الأرض يعكس استمرار الحصار وتشديد القيود.
وقال المكتب الإعلامي في بيان إن “المستشفيات والمخابز ومحطات معالجة المياه والصرف الصحي تعاني من شلل شبه تام”، محذراً من أن نقص الوقود لا يهدد القطاع الصحي وحده، بل يضرب مختلف مناحي الحياة المدنية، ويضاعف معاناة السكان الذين يواجهون أوضاعاً إنسانية غير مسبوقة.
ولا يقتصر تأثير نقص الوقود على المرافق الطبية، بل يمتد إلى محطات تحلية المياه ومعالجة الصرف الصحي، ما ينذر بكارثة صحية وبيئية وشيكة.
كما تواجه المخابز صعوبات كبيرة في مواصلة العمل، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي لمئات آلاف العائلات التي تعتمد على الخبز كغذاء أساسي.
وفي موازاة الأزمة الإنسانية، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في قطاع غزة، رغم مرور 76 يوماً على إعلان وقف إطلاق النار.
ويرى مراقبون أن استمرار الحصار، إلى جانب العمليات العسكرية المتقطعة، يقوض أي فرص حقيقية لتحسين الوضع الإنساني في غزة، ويحوّل وقف إطلاق النار إلى إجراء شكلي لا ينعكس على حياة المدنيين.
كما يحذر خبراء صحيون من أن انهيار المستشفيات، بدءاً من نقص الوقود وانتهاءً بنفاد الأدوية والمستلزمات، سيؤدي إلى ارتفاع كبير في معدلات الوفيات، خصوصاً بين الأطفال والمرضى وكبار السن.




