تصاعدت الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار الهش في قطاع غزة، بعد أن شنت قوات الاحتلال سلسلة من الغارات الجوية والمدفعية العنيفة على مدينة خان يونس ومناطق متفرقة من القطاع، مما أدى إلى مقتل ثلاثة فلسطينيين على الأقل، بينهم رجل توفي متأثرًا بجراح أصيب بها في غارة سابقة استهدفت خيمة نازحين.
وقالت مصادر طبية فلسطينية إن الضحية أُصيب قبل أيام في غارة إسرائيلية استهدفت خيمة تؤوي عائلات نازحة في منطقة المواصي غرب خان يونس — وهي إحدى المناطق القليلة التي أعلنتها إسرائيل سابقًا “منطقة آمنة”. وأوضحت المصادر أن الرجل توفي صباح اليوم متأثرًا بجروحه البالغة، في وقت تتواصل فيه عمليات القصف المكثف على أطراف المدينة وشرقها.
وشهدت خان يونس منذ ساعات الفجر قصفًا مدفعيًا وجويًا مكثفًا، تزامن مع عمليات هدم واسعة النطاق نفذتها الجرافات العسكرية الإسرائيلية في الأحياء الشرقية للمدينة. وأفادت مصادر محلية بأن جيش الاحتلال نفذ أربع عمليات هدم على الأقل، استهدفت منازل ومبانٍ سكنية في حي الفخاري وبلدة عبسان الكبيرة، ما أدى إلى تدمير عشرات المنازل وتشريد مزيد من السكان.
كما هدمت قوات الاحتلال منازل أخرى شرق مدينة غزة وخان يونس في ساعات الليل، وسط سلسلة انفجارات عنيفة هزّت المنطقة حتى ساعات الصباح الأولى. وذكرت شهود عيان أن طائرات الاستطلاع حلّقت بكثافة فوق المدينة، بينما أطلقت السفن الحربية الإسرائيلية نيران أسلحتها الثقيلة قبالة سواحل غزة، ما زاد من تقويض الهدنة التي توصف في الأوساط الفلسطينية بأنها “تنهار فعليًا على الأرض”.
ويأتي هذا التصعيد رغم إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تمسكه بـ”التصرف في حدود اتفاقات وقف إطلاق النار”، لكن المراقبين يرون أن تصريحاته تتناقض مع الواقع الميداني، حيث تتواصل الانتهاكات اليومية بحق المدنيين والبنية التحتية في القطاع.
وأكدت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) أن آلاف النازحين الفلسطينيين لجأوا إلى مدارسها في مختلف أنحاء القطاع، بعد أن تحولت إلى ملاجئ مؤقتة في ظل استمرار القصف. وأوضحت الوكالة أن الوضع الإنساني في غزة “كارثي بكل المقاييس”، مشيرة إلى أن “الأونروا تواصل، رغم نقص التمويل والاستهداف المتكرر، تقديم المساعدات الأساسية والحماية للمدنيين”.
وقالت الأونروا في بيانها إن فرقها تواجه تحديات هائلة في إيصال المساعدات بسبب القصف المستمر وعرقلة دخول الإمدادات من قبل الجيش الإسرائيلي، لكنها “تتعهد بمواصلة العمل في الميدان لتخفيف معاناة السكان”، رغم الضغوط الأمريكية والإسرائيلية التي تطالبها بعدم الاضطلاع بدور في “غزة ما بعد الحرب”.
ويرى محللون أن التصعيد الإسرائيلي الأخير يهدف إلى إعادة فرض واقع ميداني جديد في القطاع، في ظل غياب ضغط دولي فعّال يلزم إسرائيل بالالتزام بالهدنة، التي أُبرمت بوساطة قطرية ومصرية وتركية قبل أسابيع. كما يُنظر إلى القصف على خان يونس على أنه محاولة لتوسيع السيطرة العسكرية على ما تبقى من مناطق جنوب القطاع، خاصة مع رفض إسرائيل السماح بعودة آلاف العائلات النازحة إلى مناطق شمال غزة.
ويحذر مسؤولون أمميون من أن استمرار انهيار وقف إطلاق النار قد يؤدي إلى انفجار إنساني جديد، في وقت لم يتبقَّ فيه سوى القليل من المرافق الطبية العاملة. كما تخشى منظمات الإغاثة من أن يؤدي التدمير المتعمد للبنية التحتية المدنية إلى تفاقم أزمة المياه والصرف الصحي وانتشار الأوبئة في المخيمات المكتظة.
ومع استمرار الصمت الدولي، يرى المراقبون أن ما يجري في غزة اليوم — من قصف ممنهج وهدمٍ واسع وتهجير قسري — يشكل تقويضًا فعليًا لأي مسار نحو التهدئة الدائمة، ويؤكد أن اتفاق وقف إطلاق النار أصبح حبراً على ورق، في ظل استمرار إسرائيل في سياساتها العقابية ضد سكان القطاع، الذين يعيشون واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم المعاصر.




