أكد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، خلال اجتماع مع اللجنة الفلسطينية الانتقالية لإدارة قطاع غزة، أن مهام اللجنة ستقتصر على تقديم الخدمات المدنية وإدارة الشؤون اليومية، دون أي دور سياسي أو أمني، بما في ذلك مسألة نزع السلاح في القطاع.
ويأتي هذا الموقف في إطار الترتيبات التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار، وبرعاية أميركية مباشرة عبر ما يُعرف بـ«مجلس السلام» الذي تقوده الولايات المتحدة.
والتقى بلير، عضو المجلس التنفيذي التأسيسي لمجلس السلام والمقرّب من الإدارة الأميركية الحالية، يوم الاثنين بأعضاء اللجنة الوطنية الانتقالية لإدارة غزة، بعد ساعات من لقائه برئيسها الدكتور علي شعث، نائب وزير التخطيط الفلسطيني السابق.
ووفق مصادر فلسطينية حضرت الاجتماع، شدد بلير على أن اللجنة «تكنوقراطية» الطابع، وأن نجاحها مرهون بابتعادها الكامل عن السياسة والتركيز على تحسين الظروف المعيشية لسكان القطاع.
وقال بلير، بحسب ما نقلته المصادر، إن «العالم يدعم هذه اللجنة ويراهن على نجاحها»، لكنه أضاف أن هذا الدعم مشروط بحصر عملها في الخدمات الأساسية مثل الصحة، والمياه، والكهرباء، وإعادة تنظيم الإدارة المدنية.
وأكد أنه لا يُتوقع من اللجنة الانخراط في ملفات شائكة مثل مستقبل السلاح أو الترتيبات الأمنية، وهي قضايا تُعد خارج نطاق صلاحياتها.
وخلال الاجتماع، أعاد بلير التأكيد على توافقه مع رئيس اللجنة علي شعث حول استبعاد ملف نزع السلاح، مشيراً إلى أن شعث شدد أكثر من مرة على ضرورة «عدم الزج باللجنة في مسألة الأسلحة». واعتبر بلير أن إدخال هذه القضايا في عمل اللجنة قد يعرّضها للفشل منذ البداية.
وقد شكلت اللجنة الوطنية الانتقالية، التي تضم 15 شخصية فلسطينية، للإشراف على مرحلة انتقالية في غزة في أعقاب الحرب، ضمن تفاهمات وقف إطلاق النار. ويُنظر إليها كجسم إداري مؤقت يُفترض أن يدير الشأن المدني إلى حين التوصل إلى ترتيبات أوسع بشأن مستقبل القطاع.
ورغم الرسائل السياسية الواضحة التي حملها بلير، إلا أن الاجتماع كشف عن غموض كبير يحيط بالجوانب العملية لعمل اللجنة. فقد طرح الأعضاء أسئلة تتعلق بآليات التمويل، وفتح المعابر الحدودية، ومستقبل عشرات آلاف الموظفين العموميين في غزة، لكن بلير لم يقدم إجابات تفصيلية.
وبحسب مصادر مطلعة، قال بلير إن مسألة موظفي الخدمة المدنية «لم يُحسم أمرها بعد»، مضيفاً أن اللجنة قد تضطر للعمل مع الكوادر القائمة والاستفادة من خبراتها، مع إقراره بأن «الكثيرين قد لا يستمرون في مواقعهم».
وطالب عدد من أعضاء اللجنة بقرار رسمي من السلطة الفلسطينية لإعادة الموظفين الموقوفين عن العمل، مؤكدين أن إدارة قطاع مدمَّر تحتاج إلى جهاز إداري يعمل بكامل طاقته.
وأشار بلير إلى أن ما وصفه بـ«قوة الاستقرار الدولية» ستتولى مهمة إخراج القوات الإسرائيلية من غزة، مؤكداً في الوقت نفسه ضرورة وجود «سلطة واحدة» في القطاع، دون أن يخوض في تفاصيل كيفية تحقيق ذلك عملياً في ظل الواقع المعقد.
وقال بلير لأعضاء اللجنة: «نريد لكم النجاح لأن هذا هو اختبار مصداقيتنا أمام العالم»، معتبراً أن غزة تمثل «نقطة التحول» في الشرق الأوسط، وأن أي إخفاق في إدارتها سينعكس على مجمل الجهود الدولية في المنطقة.
وأبلغ بلير اللجنة أن نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي المعين من قبل الولايات المتحدة لغزة، سيصل إلى القاهرة للقاء أعضائها، حيث سيشرف على عمل اللجنة ويكون حلقة الوصل الرئيسية بينها وبين مجلس السلام.
وفي موازاة ذلك، عقد شعث اجتماعاً مع ممثلين عن الاتحاد الأوروبي، بحضور مسؤولين فلسطينيين وأميركيين، لمناقشة قضايا تتعلق بالتنسيق الدولي والتمويل والتدريب الأمني.
وأبدى الأوروبيون دعماً سياسياً للجنة، لكنهم، بحسب المصادر، لم يقدموا التزامات واضحة بشأن التمويل أو فتح المعابر، واعتمدوا في كثير من ردودهم على معلومات متداولة في وسائل الإعلام.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن خطة المئة يوم الأولى لعمل اللجنة باتت شبه جاهزة، وأن بعض أعضائها قد يتوجهون إلى غزة خلال الأسابيع المقبلة، رغم عدم تجهيز مقر دائم لهم حتى الآن.
ويعكس ذلك حجم التحديات التي تواجه اللجنة، في ظل غياب تفاصيل حاسمة تتعلق بالتمويل، والأمن، والعلاقة مع الأطراف الفلسطينية المختلفة، ما يضع مستقبل هذه التجربة الانتقالية على المحك.




