Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أهم الأنباءشؤون دولية

الوفيات المعتمدة على البيانات: كيف تحدد آلة الحرب الإسرائيلية الذكية الضحايا الفلسطينيين

15 يوليو، 2025

في ليلةٍ بدت عادية شرق مدينة غزة، غيّر انفجار مفاجئ حياة علي، فني تكنولوجيا المعلومات، حين سقطت قذيفة إسرائيلية على حيّه يوم 12 أكتوبر/تشرين الأول 2024. هرب علي، مصدومًا ولكنه سالم جسديًا، إلى حي الشيخ رضوان ليعيش عند عمته، ظنًّا أنه وجد ملاذًا آمنًا. لكن ذلك لم يكن سوى بداية فصل جديد في حياته تحت ظلال حرب تُدار بخوارزميات الذكاء الاصطناعي.

بعد أسبوعين، بينما كان يعمل علي على سطح منزل عمته، بحثًا عن إشارة إنترنت أقوى لتحميل ملفات عبر شبكة VPN، رأى ضوءًا أحمر ينزل على سطح المنزل المقابل، على بُعد أمتار قليلة. انفجار عنيف أطاح به من مكانه، لكنه نجا مجددًا. غير أن عائلته واجهته بالريبة: “الضربة كانت لك! مع من تتواصل؟ ماذا كنت تفعل؟”

هرب علي مجددًا إلى منزل صديق له، خبير في تكنولوجيا المعلومات، أخبره أن تحركاته على الإنترنت ربما وضعت اسمه على قائمة أهداف النظام الإسرائيلي، الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لرصد سلوكيات الفلسطينيين وتقييم “درجة الشك” حول ارتباطاتهم أو أنشطتهم الرقمية.

“أعتبر تهديدًا محتملاً وهدفًا في نظر أنظمة الذكاء الاصطناعي”، يقول علي، مضيفًا أنه لم يعد يستخدم الإنترنت إلا لثوانٍ معدودة، خشية استهدافه.

ضحايا بلا إنذار

قصة علي تتقاطع مع حكايات كثيرين من سكان غزة، الذين باتوا يعتقدون أن خوارزميات غامضة باتت تُحدد من يعيش ومن يموت. ففي واقعة أخرى، فقد محسن عبيد، 34 عامًا، والديه وثلاث شقيقات في قصف إسرائيلي استهدف مبنى في حي الفالوجة شمال غزة. السبب – وفق بعض الروايات – دخول شابين “من المفترض أنهما مقاومون” إلى الطابق الأول قبل دقائق من الهجوم.

يقول عبيد “لم نكن نعرفهم ولا تربطنا بحماس أي علاقة. كنا مدنيين أبرياء”، متسائلًا عن مبررات إدراج منزله ضمن بنك أهداف إسرائيل.

آلة قاتلة مؤتمتة

تكشف تحقيقات موثقة أن الجيش الإسرائيلي يعتمد بشكل متزايد على أنظمة ذكاء اصطناعي لتحديد الأهداف في غزة، ومنها نظام “لافندر”، الذي يجمع بيانات هائلة من مصادر عدة، بينها مراقبة الهواتف، الإنترنت، وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى أنماط المشي والتعرف على الوجوه.

بحسب التحقيقات، يُحدد نظام لافندر “درجة شك” لكل فرد في غزة، على أساس أنشطة رقمية أو روابط اجتماعية قد يُنظر إليها كدليل محتمل على الانتماء إلى حركات مسلحة. وفي حال تجاوزت تلك الدرجة نسبة 80%، تُنفّذ ضربات جوية غالبًا خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز 20 ثانية، فيما يُعرف بعمليات “الأهداف المقيّدة بالوقت”.

تقول نيلزا أمارال، خبيرة الذكاء الاصطناعي في مركز “تشاتام هاوس”: “أصبح الذكاء الاصطناعي يُستخدم لا لتحديد الأهداف فقط، بل لقياس لحظة وجود الهدف في مكان محدد لتنفيذ الضربة”.

ومن ضمن الأنظمة الأخرى التي كشفتها التحقيقات:

“جوسبل”: يحدد المواقع العسكرية الثابتة مثل الأنفاق أو مقار المقاتلين.

“أين أبي؟”: يتتبع الأشخاص المستهدفين ويرصد تحركاتهم، ما قد يفسر الضربات المتكررة على مبانٍ مأهولة.

ويشير خبراء إلى أن “لافندر” لا ينشئ الأهداف من فراغ، بل يعالج البيانات الضخمة ليرشح الأسماء لضباط الاستخبارات، الذين يتخذون القرار النهائي. لكن هناك مخاوف واسعة من أن “التسامح مع الأخطاء” داخل القيادة العسكرية الإسرائيلية مرتفع للغاية، ما يزيد خطر وقوع ضحايا مدنيين.

يقول ديفيد كوفار، المتخصص في الذكاء الاصطناعي السيبراني: “هناك قرارات حياة أو موت تُتخذ اعتمادًا على أرقام احتمالية، في ظل غياب شبه كامل للعنصر البشري للتحقق من صحة تلك المعلومات”.

حرب بلا بشر

ومع تراكم الأدلة على تزايد اعتماد إسرائيل على هذه التكنولوجيا، يتصاعد القلق من أن آلة الحرب أصبحت تُقرر وحدها من ينجو ومن يُقتل في غزة. يقول عبيد: “قتلوا عائلتي بناء على بيانات، دون أن يسأل أحد: هل هناك مدنيون آخرون في المنزل؟”.

وبينما ترى إسرائيل في هذه الأنظمة أدوات ضرورية لضرب أهداف عسكرية بسرعة ودقة، يحذر خبراء القانون الدولي من أن أي هجوم يتسبب بخسائر بشرية مفرطة مقارنةً بالفائدة العسكرية المتوقعة، يُعد غير مشروع.

لكن بالنسبة لأهالي غزة، فإن التكنولوجيا التي صُممت لإحداث “ثورة” في ساحات القتال باتت رمزًا للخوف والموت، وسط تساؤلات إن كانت حياة مليوني إنسان أصبحت مجرد “درجة شك” على شاشة حاسوب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى