في مشهد جديد يُجسد سياسة التجويع الممنهجة التي يتبعها الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين في قطاع غزة، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي أن قوات الاحتلال ارتكبت مجزرة دموية مروّعة استهدفت آلاف المدنيين في منطقة “السودانية” شمال القطاع، أثناء انتظارهم مساعدات غذائية قادمة من معبر “زيكيم”. وأسفرت المجزرة عن استشهاد 58 مواطناً على الأقل، وإصابة 579 آخرين بجروح متفاوتة، خلال ثلاث ساعات فقط.
استهداف مباشر وسط الجوع والمجاعة
ووفق بيان المكتب الإعلامي الحكومي الذي يحمل الرقم (913)، فإن المجزرة وقعت خلال توجه آلاف المواطنين إلى نقاط توزيع المساعدات، في ظل المجاعة الكارثية التي تضرب القطاع منذ شهور بسبب الحصار الخانق والهجمات المستمرة.
وأشار البيان إلى أن الضحايا كانوا ينتظرون الحصول على سلال غذائية بسيطة وصلت عبر شاحنات مساعدات أُدخلت من معبر “زيكيم” البحري. وأثناء تجمهر المدنيين في منطقة “السودانية”، فتحت قوات الاحتلال النار عليهم بشكل مباشر، ما أدى إلى سقوط العشرات بين شهيد وجريح في لحظات، معظمهم من الأطفال وكبار السن.
أرقام الضحايا حسب المستشفيات
ووفق التحديث الأخير الصادر عن وزارة الصحة في غزة، فقد توزعت الإصابات والشهداء على ثلاثة مراكز طبية رئيسية كالتالي:
مجمع الشفاء الطبي: 50 شهيداً و300 مصاب.
المستشفى الكويتي الميداني: 5 شهداء و179 مصاباً.
المستشفى الأهلي المعمداني: 3 شهداء و100 مصاب.
وأكدت الجهات الصحية أن معظم الإصابات ناتجة عن طلقات نارية في مناطق قاتلة، ما يدل على نية القتل المباشر، مشيرة إلى أن العديد من الجرحى في حالة حرجة مع غياب الإمكانيات الطبية اللازمة نتيجة الحصار.
112 شاحنة مساعدات… ونهب وفوضى منظمة
وفي اليوم نفسه، دخلت 112 شاحنة مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة، إلا أن الغالبية العظمى منها لم تصل إلى مستحقيها، بحسب البيان الرسمي، نتيجة عمليات نهب وسرقة وسط فوضى أمنية “يُكرّسها الاحتلال بشكل منهجي ومقصود”.
واتهم المكتب الإعلامي قوات الاحتلال باتباع سياسة “هندسة الفوضى والتجويع”، عبر التلاعب بنقاط التوزيع وتوقيت إدخال الشاحنات، وخلق بيئة أمنية منفلتة تؤدي إلى تدافع وحرمان آلاف المدنيين من المساعدات.
الاحتلال يستخدم “الجوع كسلاح”
وجاء في البيان أن هذه الجريمة الجديدة “تؤكد مجدداً أن الاحتلال يستخدم الجوع كسلاح حرب، ويستهدف بدمٍ بارد المدنيين الذين يبحثون عن لقمة عيش”، مشيرًا إلى أن ما يحدث يمثل “انتهاكاً صارخاً لجميع القوانين الدولية والإنسانية”.
واتهم المكتب الإعلامي الاحتلال والدول الداعمة له بتحمّل المسؤولية الكاملة عن الجرائم المتصاعدة بحق 2.4 مليون إنسان يعيشون في القطاع، من بينهم 1.1 مليون طفل يُحرمون من الغذاء وحليب الأطفال والدواء.
دعوة لفتح المعابر ومحاسبة الجناة
ودعا البيان المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومؤسسات العدالة الدولية إلى:
التحرك الفوري لفتح المعابر.
كسر الحصار المفروض على غزة.
تأمين دخول المساعدات الإنسانية، لا سيما الغذاء وحليب الأطفال، بشكل آمن ومنظّم.
محاسبة قادة الاحتلال “الإسرائيلي” كمجرمي حرب أمام محاكم دولية.
وأكد البيان أن “ما تتعرض له غزة من مجازر متكررة وانهيار تام في البنية التحتية والخدمات الطبية هو نتيجة مباشرة للعدوان الممنهج، وامتناع المجتمع الدولي عن القيام بمسؤولياته القانونية والإنسانية”.
الحاجة إلى 600 شاحنة يوميًا… والواقع لا يلبي الحد الأدنى
أشار المكتب الإعلامي إلى أن غزة تحتاج يوميًا إلى ما لا يقل عن 600 شاحنة إغاثة ووقود لتلبية الحد الأدنى من احتياجات القطاع من غذاء ودواء ومياه وكهرباء، مؤكدًا أن العدد الفعلي للشاحنات التي يُسمح بدخولها ما يزال أقل بكثير من الحد المطلوب، ما يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية يومًا بعد يوم.
مجازر متكررة في ملف المساعدات
تأتي مجزرة “السودانية” بعد سلسلة من الحوادث المماثلة، أبرزها المجزرة التي وقعت قرب معبر “الكتيبة” وراح ضحيتها عشرات المدنيين في مارس الماضي، حيث أطلق جنود الاحتلال النار على حشود كانت تنتظر الحصول على أكياس دقيق، في مشهدٍ أعاد إلى الأذهان صور المجاعة في مناطق الحصار التاريخية.
واختتم المكتب الإعلامي الحكومي بيانه بالتأكيد أن “الصمت الدولي أمام هذه الجرائم يشكل تواطؤًا مكشوفًا”، مضيفًا: “نحن أمام جريمة كاملة الأركان… الجوع يُستخدم كسلاح، والمساعدات تُحوَّل إلى أفخاخ موت، والضحايا دوماً من الأبرياء”.
وأكد أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى كارثة إنسانية شاملة تهدد حياة مئات الآلاف، في حال لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة على المستوى الدولي.




