أقرت المحكمة العليا الأمريكية حكماً يقضي بإلزام السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية بدفع تعويضات تبلغ 656 مليون دولار لصالح مواطنين أمريكيين قالوا إنهم تضرروا من هجمات وقعت داخل إسرائيل خلال فترة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وذلك بعد رفضها طلباً لتجميد تنفيذ الحكم بدعوى الأزمة المالية التي تواجهها المؤسستان الفلسطينيتان.
ويأتي القرار بعد مسار قضائي استمر أكثر من 22 عاماً، إذ كانت الدعوى قد رُفعت عام 2004 من قبل أمريكيين قالوا إنهم تعرضوا أو فقدوا أقارب لهم في هجمات وقعت بين عامي 2002 و2004. وفي عام 2015، قضت محكمة أمريكية بمنحهم تعويضات مالية، قبل أن تلغي محكمة الاستئناف الحكم عام 2016 معتبرة أن المحاكم الأمريكية لا تملك الاختصاص للنظر في دعاوى تتعلق بجماعات أجنبية إذا لم تكن الهجمات موجهة ضد مواطنين أمريكيين.
غير أن المحكمة العليا الأمريكية أعادت إحياء القضية العام الماضي بإجماع قضاتها، بعد تأييدها قانون تعزيز الأمن والعدالة لضحايا الإرهاب، الذي أقره الكونغرس، لتعيد محكمة الاستئناف في مارس الماضي تفعيل الحكم البالغ 656 مليون دولار.
ويرى حقوقيون أن القرار يستند إلى تشريعات أمريكية منحت المحاكم المحلية صلاحية النظر في مثل هذه القضايا، معتبرين أن السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير أُخضعتا للولاية القضائية الأمريكية بموجب قوانين خاصة أقرها الكونغرس.
في المقابل، حذرت السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير من أن تنفيذ الحكم سيؤدي إلى تعميق أزمتهما المالية، في وقت تعاني فيه السلطة من ضائقة اقتصادية حادة نتيجة استمرار إسرائيل في حجز أجزاء من أموال المقاصة الفلسطينية، الأمر الذي انعكس على قدرتها على صرف رواتب موظفيها كاملة.
واعتبر حقوقيون أن تنفيذ الحكم لن يقتصر تأثيره على المؤسستين، بل سيمتد إلى الموظفين العموميين والخدمات الأساسية، في ظل اعتماد مئات الآلاف من الفلسطينيين على موازنة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.
وتعود جذور القضية إلى أحداث الانتفاضة الثانية التي اندلعت في سبتمبر/أيلول 2000 عقب اقتحام زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك أرييل شارون باحات المسجد الأقصى، وهو ما أشعل احتجاجات فلسطينية واسعة واجهتها القوات الإسرائيلية بالقوة.
واستمرت الانتفاضة نحو خمس سنوات، وأسفرت، بحسب الإحصاءات المتداولة، عن استشهاد ما يقارب 5000 فلسطيني، مقابل مقتل نحو 1000 إسرائيلي في هجمات وعمليات نفذتها فصائل فلسطينية داخل إسرائيل.
ويأتي الحكم في وقت تشهد فيه العلاقات بين واشنطن والسلطة الفلسطينية مزيداً من التوتر، بعدما فرضت الإدارة الأمريكية خلال الفترة الماضية إجراءات وعقوبات بحق مسؤولين فلسطينيين، على خلفية تحركات السلطة ومنظمة التحرير في المحاكم الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، لملاحقة إسرائيل قانونياً بشأن الحرب على قطاع غزة والانتهاكات في الأراضي الفلسطينية.
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت أيضاً قيوداً على منح التأشيرات لمسؤولين مرتبطين بالسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، متهمة الجانبين باتخاذ خطوات قالت إنها تقوض جهود السلام، في حين تؤكد القيادة الفلسطينية أن اللجوء إلى القضاء الدولي يندرج ضمن حقها في ملاحقة الانتهاكات وفق القانون الدولي.
ويعيد قرار المحكمة العليا الأمريكية الجدل بشأن توسيع الولاية القضائية للمحاكم الأمريكية في قضايا خارج الحدود، في وقت تواصل فيه واشنطن معارضة ملاحقة مسؤولين إسرائيليين أمام المحاكم الدولية، وهو ما يثير انتقادات بشأن ازدواجية المعايير في التعامل مع ملفات العدالة الدولية.




