في مشهدٍ نادر بعد عامين من الدمار والنزوح المتكرر، تدفّق آلاف الفلسطينيين، عائدين إلى شمال قطاع غزة عبر شارع الرشيد الساحلي بعد دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس حيّز التنفيذ، إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من اتفاق السلام الذي رعته الولايات المتحدة ومصر وقطر لإنهاء الحرب الأطول والأكثر دموية في تاريخ الصراع.
وأعلن الجيش الإسرائيلي أن وقف إطلاق النار بدأ رسميًا عند الساعة 12 ظهر يوم الجمعة، عقب استكمال انسحابه إلى الخطوط المتفق عليها ضمن المرحلة الأولى من اتفاق ترامب للسلام.
وصادقت حكومة بنيامين نتنياهو على الاتفاق في وقت مبكر من صباح الجمعة، بعد ساعات فقط من إعلان حماس قبولها بالصفقة.
ونشرت هيئة الإذاعة الإسرائيلية “كان” نسخة مسرّبة من الاتفاق الذي تم توقيعه في القاهرة، وتنص على أن الحرب “تنتهي فورًا” بمجرد موافقة إسرائيل.
كما تتضمن الخطة إعلانًا رسميًا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب يؤكد نهاية الحرب وبدء تنفيذ مراحل إعادة الإعمار والإفراج عن الأسرى.
عودة النازحين إلى الركام
في ساعات ما بعد الهدوء، انسحبت الدبابات الإسرائيلية من شارع الرشيد الذي ظل مغلقًا طوال العامين الماضيين لمنع العودة إلى الشمال. وسرعان ما تدفق آلاف الفلسطينيين سيرًا على الأقدام وهم يحملون متاعهم البسيط، عائدين إلى مدنهم المدمّرة.
يقول بلال أبو مدين، أحد سكان غزة “أنا هنا أنظر إلى الناس العائدين ولا أصدق ما أراه. بعد كل هذا القتل والخراب، هل يمكن أن تكون هذه فعلاً النهاية؟ لقد فقدت أصدقاء وأقارب في الحرب. أتمنى فقط أن أرى غزة تُبنى من جديد.”
ورغم الانسحاب، سجّلت مناطق في خان يونس ومدينة غزة قصفًا متقطعًا فجر الجمعة، لكن لم ترد تقارير عن وقوع إصابات.
وكان ثمانية فلسطينيين قد قُتلوا يوم الخميس في غارات إسرائيلية نفذت بعد الإعلان عن الاتفاق.
صفقة تبادل الأسرى والمساعدات
تشمل المرحلة الأولى من الاتفاق الإفراج عن 20 أسيرا إسرائيليا على قيد الحياة وعدد من الجثامين، مقابل إطلاق سراح نحو 2,000 أسير فلسطيني، بينهم 250 محكومًا بالمؤبد.
وتبقى قائمة الأسماء موضع خلاف، إذ تطالب حماس بإدراج شخصيات بارزة مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات وعبد الله البرغوثي وعباس السيد، وهو ما ترفضه إسرائيل حتى الآن.
كما من المقرر دخول 400 شاحنة مساعدات إنسانية إلى القطاع خلال الأيام المقبلة، حاملة مواد غذائية وطبية عاجلة. غير أن شهودًا في معبر رفح أفادوا بعدم وصول أي قوافل حتى مساء الجمعة.
المرحلة المقبلة: انسحاب وتدويل
يمثل وقف إطلاق النار المرحلة الأولى من خطة السلام الأميركية، التي ستتبعها مراحل أخرى تشمل الانسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي من القطاع، ونزع سلاح حماس، ونشر قوة استقرار دولية للإشراف على الأمن وإعادة الإعمار.
ولم تُعلن أي تفاصيل بعد بشأن الجدول الزمني لهذه الإجراءات أو الدول التي ستشارك في القوة الدولية.
ومن المتوقع أن يزور ترامب مصر نهاية الأسبوع لحضور مراسم توقيع رسمية، قبل أن يتوجه إلى إسرائيل يوم الاثنين، في خطوة ترمز إلى استكمال التفاهمات السياسية.
وقال خليل الحية، القيادي في حماس، إن الحركة حصلت على “ضمانات أميركية ودولية” بأن الحرب انتهت “إلى أجل غير مسمى”.
غزة بعد الحرب: مدينة الأشباح
تُظهر الصور القادمة من شمال غزة حجم الكارثة الإنسانية. المدينة التي كانت مأهولة بأكثر من 700 ألف شخص تحوّلت إلى أنقاض ممتدة. منازل مهدّمة، وشوارع مغطاة بالركام، ومستشفيات ومدارس ومساجد لم يبقَ منها سوى الجدران المحترقة.
وفق إحصاءات فلسطينية، استشهد أكثر من 67 ألف شخص خلال الحرب، 80% منهم مدنيون، بينما لا يزال آلاف المفقودين تحت الأنقاض. وتقدّر منظمات أممية أن 90% من سكان القطاع فقدوا مساكنهم أو مصادر دخلهم، في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في القرن الحالي.
ورغم مظاهر الفرح الحذر في غزة وميدان الأسرى في تل أبيب، يظل الاتفاق هشًّا، إذ لم تُحسم بعد قضايا جوهرية تتعلق بترتيبات الحكم وإعادة الإعمار ومستقبل سلاح المقاومة.
ويخشى مراقبون أن تنهار الهدنة إذا لم تُستكمل مراحل الانسحاب الدولي والتسوية السياسية.
لكن بالنسبة للغزيين الذين يسيرون على الركام عائدين إلى ما تبقى من منازلهم، يكفي أن صوت القنابل توقّف ولو مؤقتًا.
يقول أبو مدين وهو يحدق في الأفق الرمادي: “بعد عامين من الجحيم، أريد فقط أن أصدق أن هذه الحرب انتهت فعلاً.”





