كشفت منظمة العفو الدولية في تقرير جديد عن أدلة دامغة على قيام جيش الاحتلال الإسرائيلي بتسوية بلدة خزاعة جنوب قطاع غزة بالأرض خلال أسبوعين فقط في مايو/أيار 2025.
واستند التقرير إلى تحليل لصور أقمار صناعية ومقاطع فيديو موثقة، مؤكداً أن ما جرى هو جزء من نمط متكرر من التدمير غير المبرر والعقاب الجماعي، في سياق حملة إبادة جماعية تستهدف الفلسطينيين في القطاع المحاصر.
وقالت المنظمة إن حجم الدمار ونطاقه يفوق أي مبررات عسكرية يمكن تصورها، ويُظهر إصرار الاحتلال على تدمير كل مقومات الحياة في غزة، بما في ذلك البنية التحتية المدنية والأراضي الزراعية الخصبة، من أجل إخضاع السكان الفلسطينيين لظروف معيشية كارثية، ترقى إلى الإبادة الجماعية الكاملة أو الجزئية.
حملة ممنهجة للتدمير
في تعليقها على ما توصلت إليه المنظمة، قالت إريكا غيفارا روساس، مديرة البحوث والسياسات في منظمة العفو الدولية: “يُعد مسح بلدة خزاعة بالكامل شاهدًا صارخًا على الحملة الإسرائيلية المتواصلة للتدمير الممنهج لقطاع غزة، وذلك بتحويل بلداتٍ بأكملها إلى أراضٍ جرداء من الغبار والركام”.
وأظهر التقرير أن التدمير طال أيضًا أراضٍ زراعية تعتبر من بين الأكثر خصوبة في قطاع غزة، ما يتماشى مع استخدام الاحتلال لسياسة “التجويع كسلاح حرب”.
فطوال 77 يومًا منذ 2 مارس/آذار 2025، فرضت إسرائيل حظرًا مطلقًا على إدخال المواد الغذائية والمستلزمات الأساسية، في سياق خلق كارثة إنسانية مدبرة.
وأشار التقرير إلى أن دخول مساعدات محدودة لم يغير من واقع المجاعة المتعمدة، حيث أصبحت عمليات توزيع الغذاء تخضع للضوابط العسكرية المشددة، ما جعل الحصول على الغذاء مهمة محفوفة بالمخاطر ومهينة للكرامة الإنسانية.
تسلسل زمني للتدمير
بدأت موجة الدمار في خزاعة بحسب التقرير في 14 و15 مايو/أيار، عبر قصف جوي ومدفعي مكثف. وفي 17 مايو/أيار، بدأت الآليات الإسرائيلية الثقيلة بالدخول المباشر إلى البلدة من الحدود، تزامنًا مع إعلان إطلاق عملية “عربات جدعون”.
وعلى الرغم من وجود مقاومة محدودة في 20 مايو/أيار، إلا أن حجم الدمار في الأيام التالية تجاوز بكثير أي اشتباك عسكري محدود، ما يدل على نية تدميرية ممنهجة.
وفي 27 مايو/أيار، أظهرت مقاطع موثقة لطائرات مسيرة تسوية البلدة بشكل كامل، في حين ظهر تسجيل آخر لثلاث حفّارات غير مدرعة تهدم آخر ما تبقى من مبانٍ، ما يثبت غياب أي تهديد عسكري مباشر للقوات.
وفي 31 مايو/أيار، أكدت بلدية خزاعة هذا الدمار الشامل في بيان رسمي، مشيرة إلى أن البلدة أصبحت “خارج نطاق الخدمة بالكامل”، بعد أن تم تهجير سكانها قسريًا في مارس/آذار السابق.
روايات صادمة
روى محمد حمدان قديح، مزارع يبلغ من العمر 66 عامًا من سكان خزاعة، كيف دُمرت أرضه الزراعية ومنزله المؤلف من ثلاثة طوابق.
وقال: “عندما عدنا إلى خزاعة في يونيو/حزيران 2024، وجدنا معظم محاصيلنا قد أُتلفت، فبدأنا باستصلاحها… لكننا هُجّرنا من جديد في مارس/آذار 2025. النزوح أسوأ من الموت”.
نمط واسع من التدمير غير المشروع
تدمير خزاعة ليس حادثة معزولة. ففي تقارير سابقة، وثّقت منظمة العفو الدولية تدميرًا واسعًا على امتداد الحدود الشرقية لغزة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومايو/أيار 2024، حيث تم تدمير أكثر من 90% من المباني في منطقة يتراوح عرضها بين كيلومتر و1.8 كيلومتر.
وتظهر بيانات “يونوسات” التابعة للأمم المتحدة تدهورًا كبيرًا في جودة المحاصيل الزراعية في أكثر من 20 كيلومترًا مربعًا، بسبب الاستهداف المباشر والممنهج للأراضي الزراعية.
ويشير التقرير إلى أن وجود معدات مدنية غير مدرعة أثناء عمليات الهدم يثبت أن تلك المناطق كانت خالية من القتال، مما يُسقط أي حجة أمنية، ويعزز التوصيف القانوني بأن ما جرى يرقى إلى جرائم حرب، وربما إبادة جماعية.
وشددت منظمة العفو الدولية على ضرورة فتح تحقيق دولي عاجل ومستقل في الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال في غزة.
وقالت غيفارا روساس: “لا يجوز أن يقف المجتمع الدولي مكتوف الأيدي بينما تستمرّ إسرائيل بشكل ممنهج في تفكيك البنى التحتية المدنية الحيوية وتدمير الأراضي الزراعية وفرض العقاب الجماعي على الفلسطينيين”.
ودعت إلى تفعيل أدوات المساءلة الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية، من أجل وضع حد لسياسات التدمير والإبادة، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم ضد الإنسانية.





