أثارت الخطة التي عرضها جاريد كوشنر لإعادة تشكيل قطاع غزة موجة واسعة من الانتقادات، عقب الكشف عنها خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث قدّم تصورًا يقوم على إعادة بناء القطاع بالكامل وفق نموذج اقتصادي يعتمد على السوق الحرة، ويتضمن أبراجًا سكنية ذكية، ومراكز بيانات، ومنتجعات ساحلية.
كوشنر، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصهره، وصف المشروع بأنه رؤية شاملة لمستقبل غزة بعد الحرب، معتبرًا أنه يشكّل جزءًا من الجهود الأميركية لدعم مسار وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، رغم ما يشهده الاتفاق من خروقات متكررة. وطرح كوشنر الخطة باعتبارها انتقالًا من الإغاثة إلى الاستثمار، مستلهمًا النهج الاقتصادي الذي يتبناه ترامب داخل الولايات المتحدة.
وخلال عرضه، استعرض كوشنر حجم الدمار الذي لحق بالقطاع، مشيرًا إلى أن الحرب الممتدة لعامين خلّفت كميات هائلة من الأنقاض وخسائر بشرية جسيمة، ما يستدعي، بحسب رأيه، إعادة البناء من الصفر بدل الاكتفاء بإصلاح ما تهدّم. وأكد أن المشروع المقترح يستند إلى مبادئ السوق الحرة، ويركّز على خلق بيئة اقتصادية جديدة كليًا.
غير أن الطرح واجه ردود فعل غاضبة، خصوصًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبره منتقدون محاولة لإعادة هندسة غزة بأسلوب استعماري حديث، يقوم على المراقبة الدائمة وتغيير الطابع الثقافي والاجتماعي للقطاع، وفصله عن محيطه العربي.
سياسيون وأكاديميون وناشطون رأوا في الخطة اختزالًا لمأساة غزة في مشروع عقاري ضخم، يتجاهل حقوق السكان الأصليين وتاريخهم، ويحيل مستقبلهم إلى معادلات الربح والخسارة. واعتبر بعضهم أن الرؤية المطروحة تقوم على نزع الأرض من أصحابها وإعادة تسويقها لاحقًا، ما يكرّس واقعًا من التبعية الاقتصادية بدل تحقيق العدالة أو الاستقرار.
وذهبت تحذيرات أخرى إلى أن النموذج المقترح قد يشكّل سابقة يمكن تعميمها لاحقًا على مناطق فلسطينية أخرى، مثل مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، عبر إزالة أحياء كاملة وإعادة تشكيلها بما يخدم تصورات سياسية واقتصادية مفروضة من الخارج.
ولم تقتصر الانتقادات على الأوساط الغربية، إذ عبّر مستخدمون عرب عن مخاوف من أن تؤدي الخطة إلى تحويل سكان غزة إلى قوة عمل رخيصة في مشاريع تخدم الاقتصاد الإسرائيلي، بينما تُراكم الثروات خارج القطاع، في ظل غياب أي ضمانات حقيقية للسيادة أو الحقوق السياسية.
كما قارن بعض المراقبين المشروع بمشاريع إقليمية ضخمة أُثير حولها جدل سابقًا بسبب طابعها الاستعراضي وكلفتها العالية، معتبرين أن ما يُطرح لغزة يبدو أقرب إلى نموذج تسويقي فاخر منه إلى خطة واقعية لإعادة إعمار منطقة مدمّرة تعاني من أزمة إنسانية خانقة.
وجاء الكشف عن هذه الرؤية بالتزامن مع إعلان ترامب رسميًا ميثاق ما يُعرف بـ«مجلس السلام»، وهو إطار دولي جديد لحل النزاعات، جرى تقديمه في دافوس إلى جانب التصور الأميركي لمستقبل غزة. ويتضمن المجلس، وفق ما أُعلن، رسومًا مرتفعة للعضوية الدائمة، ما زاد من حدة الانتقادات التي رأت في المبادرة مزيجًا بين الدبلوماسية والاستثمار السياسي.
وبينما تصف واشنطن الخطة بأنها فرصة لتحويل الدمار إلى بداية جديدة، يرى معارضوها أنها تعكس انفصالًا عن الواقع الفلسطيني، وتطرح مستقبلًا يُصاغ من دون الفلسطينيين، في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية على الساحة الدولية.





