أثار مقطع فيديو قصير، انتشر على نطاق واسع، جدلاً وغضباً في الأوساط الفلسطينية والعربية بعد أن أظهر الزعيم الأسير مروان البرغوثي، القيادي البارز في حركة فتح، داخل زنزانته الانفرادية، في مواجهة مباشرة مع وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير.
الفيديو، الذي لم يُعرف تاريخه على وجه الدقة، وثّق لحظة دخول الوزير الإسرائيلي إلى قسم الحبس الانفرادي بأحد السجون الإسرائيلية، محاطاً بالحراس والكاميرات، ليقف أمام البرغوثي الذي بدا ضعيفاً وهزيلاً، مرتدياً قميصاً أبيض بسيطاً.
بن غفير يوجه تهديداً مباشراً
في المشهد، وجّه بن غفير خطاباً عدائياً قائلاً: “لن تهزمونا. من يستهدف شعب إسرائيل ويقتل أبناءنا ونساءنا سيُمحى من الوجود. اعلموا هذا”.
التهديد المباشر للأسير الذي يقضي خمسة أحكام بالسجن المؤبد، جاء في سياق تصعيد الخطاب الإسرائيلي ضد القادة الفلسطينيين الأسرى، وفي وقت حساس من المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وحماس، والتي تطرقت في مراحل سابقة إلى احتمال إدراج البرغوثي ضمن صفقات تبادل الأسرى.
غضب فلسطيني ودعوات للتحرك الدولي
ردود الفعل الفلسطينية جاءت غاضبة، حيث وصف حسين الشيخ، نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، الحادثة بأنها: “ذروة الإرهاب النفسي والأخلاقي والجسدي ضد الأسرى الفلسطينيين، وانتهاك صارخ للمواثيق الدولية”.
وأشار الشيخ إلى أن المشهد يعكس “استهتاراً غير مسبوق” في معاملة المعتقلين، مطالباً المنظمات الدولية بالتدخل الفوري لحمايتهم وضمان التزام إسرائيل بالقانون الدولي الإنساني.
زوجة البرغوثي: لم أتعرف عليه
فدوى البرغوثي، زوجة الأسير، عبّرت عن صدمتها من مظهر زوجها، وكتبت على صفحتها في فيسبوك: “لم أتعرف عليك ولا على ملامحك، لكنك ستبقى حراً رغم كل شيء”.
وأضافت أن الاحتلال يلاحقه حتى في زنزانته الانفرادية التي يقبع فيها منذ عامين، لكنها أكدت أن روحه وتصميمه سيبقيانه حراً، معتبرة أن أكثر ما يؤلمه هو سماع معاناة أبناء شعبه من خلف القضبان.
البرغوثي… “مانديلا فلسطين”
يُعتبر مروان البرغوثي من أكثر القادة الفلسطينيين شعبية، ويلقّبه أنصاره بـ”نيلسون مانديلا الفلسطيني”. بدأ نشاطه السياسي مبكراً، وانضم إلى حركة فتح وهو في الخامسة عشرة من عمره.
أبعدته السلطات الإسرائيلية عام 1987، قبل أن يعود إلى فلسطين بعد توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993. تولّى قيادة “التنظيم” – الجناح العسكري لفتح – ولعب دوراً بارزاً في الانتفاضة الثانية عام 2000، ليصبح أحد أبرز المطلوبين لدى إسرائيل.
الاعتقال والحكم
في عام 2002، اعتُقل البرغوثي خلال عملية عسكرية إسرائيلية، وفي مايو/أيار 2004 أُدين بخمس جرائم قتل وحُكم عليه بخمسة مؤبدات، وهي تهم ينفيها باستمرار.
منذ ذلك الحين، واصل نشاطه من داخل السجن، داعياً إلى الوحدة الوطنية الفلسطينية، ومتحدثاً بطلاقة اللغة العبرية، كما دعا مراراً إلى حوار جاد لإنهاء الاحتلال.
توقيت الفيديو ورسائله السياسية
تسريب أو نشر هذا الفيديو في هذا التوقيت يثير تساؤلات حول أهداف الحكومة الإسرائيلية، وخصوصاً وزير الأمن القومي المعروف بمواقفه اليمينية المتطرفة.
البعض يرى أن ظهوره قد يكون رسالة داخلية للجمهور الإسرائيلي لتأكيد القبضة الأمنية على “رموز المقاومة”، بينما يراه آخرون استفزازاً متعمداً لإفشال أي مسار تفاوضي قد يؤدي للإفراج عن البرغوثي ضمن اتفاق تبادل.
القانون الدولي والانتهاكات
خبراء حقوق الإنسان أكدوا أن تصوير الأسرى ونشر صورهم أو مقاطع لهم وهم في أوضاع مهينة، يشكل انتهاكاً لاتفاقيات جنيف التي تحظر المس بكرامة الأسرى. كما أن مواجهة أسير مع وزير في موقع القوة، وسط حراسة مشددة وكاميرات، يمكن اعتباره نوعاً من الإذلال المتعمد، وربما الترويع النفسي، وهو ما يندرج ضمن الانتهاكات الجسيمة.
ومشهد مروان البرغوثي في زنزانته، بين ضعف الجسد وصلابة الموقف، يلخص حالة الصراع الطويلة بين الفلسطينيين وإسرائيل. فهو ليس مجرد أسير سياسي، بل رمز لمقاومة ممتدة منذ عقود، واستمرار حضوره في الوعي الفلسطيني – حتى من خلف القضبان – دليل على أن السجن لم يكسر إرادته.
أما الرسائل التي أراد بن غفير إيصالها، فقد ارتدت في نظر كثيرين لتكشف صورة الاحتلال وهو يستخدم القوة والترهيب حتى ضد من هم خلف القضبان، في محاولة لإخضاعهم، لكن دون أن ينال من مكانتهم في وجدان شعبهم.




