قال مركز غزة لحقوق الإنسان إن أي عملية دستورية فلسطينية يجب أن تستند إلى توافق وطني واسع، وأن تراعي الواقع السياسي والإنساني الخطير الذي يمر به الشعب الفلسطيني، مؤكّدًا أن الأولوية الوطنية في هذه المرحلة يجب أن تُمنح لتعزيز صمود المواطنين ووحدة الصف في مواجهة سياسات الإبادة والضم الإسرائيلية.
وجاء ذلك في بيان أصدره المركز وتلقت “قدس اليومية” نسخة منه، تعليقًا على طرح مسودة الدستور الفلسطيني المؤقت استنادًا إلى قرار من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، معتبرًا أن توقيت الخطوة يثير تساؤلات جوهرية في ظل التطورات الميدانية المتسارعة.
وأوضح المركز أن طرح المسودة يأتي بينما يتواصل العدوان العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة، وتتزامن معه هجمة إسرائيلية منظمة على الضفة الغربية تشمل التهجير القسري، وتوسيع الاستيطان، وتكريس قرارات الضم، في محاولة لفرض وقائع نهائية على الأرض وتقويض الوجود الفلسطيني.
وشدّد على أنه في ظل هذا الواقع، يفترض أن تتجه الجهود الوطنية نحو إسناد الفلسطينيين وتعزيز قدرتهم على الصمود، وتوحيد الصفوف لمواجهة المخططات الإسرائيلية، بدل الانخراط في مسارات سياسية أو قانونية قد تعمّق الانقسام الداخلي أو تشتت الأولويات.
ورأى المركز الحقوقي أن إطلاق مسار دستوري في ظل الانقسام السياسي القائم والاعتداءات المتواصلة يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى الخطوة وتوقيتها، متسائلًا عمّا إذا كان هذا المسار سيخدم بالفعل تعزيز الوحدة الوطنية، أم سيضيف عنصر انقسام جديد إلى المشهد الفلسطيني المثقل بالأزمات.
وأكد أن الدستور يمثل العقد الاجتماعي الأعلى في أي نظام سياسي، وبالتالي يجب أن يُصاغ عبر عملية تشاركية شفافة، تضم مختلف القوى السياسية والمجتمعية، بما في ذلك النقابات والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني، وأن يخضع لنقاش عام واسع واستفتاء شعبي حر يعبّر عن الإرادة الحقيقية للشعب الفلسطيني.
وأشار المركز إلى أن غياب مجلس تشريعي فاعل، بعد حله بقرار من المحكمة الدستورية عام 2018 في خطوة أثارت جدلًا قانونيًا واسعًا، يزيد من تعقيد المشهد.
وأضاف أن تعطّل الانتخابات العامة منذ سنوات أضعف البنية التمثيلية للنظام السياسي، ما يجعل أي عملية دستورية لا تمر عبر مؤسسة منتخبة تفتقر إلى السند الديمقراطي الكافي.
وذكّر بأن الرئيس محمود عباس يتولى مهامه منذ عام 2005، وأن ولايته القانونية المحددة بأربع سنوات انتهت عام 2009 دون إجراء انتخابات رئاسية جديدة، معتبرًا أن استمرار ممارسة الصلاحيات الرئاسية دون تجديد انتخابي يثير إشكاليات دستورية وسياسية عميقة، خصوصًا إذا ارتبط بإصدار أو إقرار دستور جديد.
وشدد المركز على أنه لا يمكن القبول بإصدار الوثيقة القانونية الأعلى في النظام السياسي الفلسطيني في ظل غياب تجديد الشرعيات الانتخابية، وغياب مجلس تشريعي منتخب، وضعف فعالية المؤسسات العامة، مؤكدًا أن الشرعية الدستورية لا تنفصل عن الشرعية الشعبية، ولا يمكن أن تقوم دونها.
وأضاف أن المسؤولية الوطنية، في ظل محاولات إسرائيل فرض وقائع نهائية عبر استمرار الإبادة الجماعية والحصار في قطاع غزة، والتهجير والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، تقتضي تركيز الجهود على إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية جامعة، وإنهاء الانقسام، وإجراء انتخابات شاملة تتيح للشعب اختيار ممثليه بحرية.
وحذّر المركز من أن أي مسار دستوري لا ينطلق من وحدة وطنية حقيقية ولا يستند إلى تفويض شعبي مباشر، سيكون عرضة لفقدان الثقة المجتمعية، وقد يحوّل الدستور من إطار جامع إلى مصدر خلاف وصراع داخلي بدل أن يكون أساسًا للاستقرار السياسي.
ودعا مركز غزة لحقوق الإنسان إلى وقف المسار الحالي لمسودة الدستور، وفتح حوار وطني شامل يسبق أي خطوة إجرائية، والعمل أولًا على إنهاء الانقسام الداخلي، وتجديد الشرعيات عبر انتخابات عامة، وتعزيز صمود المواطنين في مواجهة العدوان، باعتبار ذلك المدخل الحقيقي لأي عملية دستورية ذات مصداقية.




