تثير الحرب الدائرة في الشرق الأوسط نقاشاً واسعاً حول مصدر التهديد الحقيقي لأمن الدول العربية، خصوصاً في ظل الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران والردود الإيرانية التي طالت مواقع في الخليج.
ويرى أكاديميون ومحللون أن هذا الصراع كشف تناقضات عميقة في السياسات الإقليمية والتحالفات العسكرية القائمة في المنطقة.
ويشير تحليل نشره موقع ميدل أيست أي، إلى أن وجود القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج لم يوفر الحماية التي كانت تلك الدول تسعى إليها، بل جعلها جزءاً مباشراً من ساحة الصراع، وعرّضها لهجمات انتقامية نتيجة استخدام أراضيها في العمليات العسكرية ضد إيران.
ويؤكد التحليل أن الولايات المتحدة وإسرائيل تنظران إلى الحرب الحالية باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، وليس مجرد مواجهة محدودة مع إيران.
ويضيف أن السياسات الإسرائيلية في المنطقة لا يمكن فصلها عن الاستراتيجية الأمريكية، إذ تعمل تل أبيب ضمن منظومة التحالف العسكري والسياسي الذي تقوده واشنطن، وتستفيد من الدعم الأمريكي في تنفيذ سياساتها الإقليمية.
وبحسب هذا الطرح، فإن تحميل إسرائيل وحدها مسؤولية الحرب يغفل دور الولايات المتحدة في رسم السياسات العسكرية في المنطقة، حيث تمتلك واشنطن القدرة الكاملة على التأثير في قرارات تل أبيب نظراً لاعتماد إسرائيل الكبير على الدعم العسكري الأمريكي.
كما يشير التحليل إلى أن شركات الصناعات العسكرية والطاقة في الولايات المتحدة تستفيد بشكل مباشر من الحروب في الشرق الأوسط، حيث تحقق أرباحاً ضخمة من مبيعات الأسلحة ومن تقلبات أسواق الطاقة.
وتشمل هذه الشركات شركات الدفاع الكبرى التي تنتج الطائرات المقاتلة وأنظمة الصواريخ والمعدات العسكرية المستخدمة في النزاعات الإقليمية.
وفي المقابل يلفت التحليل إلى أن ردود الفعل الرسمية في العالم العربي على الحرب كانت محدودة للغاية، حيث لم تصدر إدانات واضحة للضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران من معظم الحكومات العربية.
ويستثني التحليل سلطنة عمان التي وصفت الهجوم بأنه انتهاك للقانون الدولي، بينما التزمت بقية الحكومات العربية الصمت أو ركزت على إدانة الردود الإيرانية.
ويشير إلى أن هذا الموقف يعكس تعقيد الحسابات السياسية للدول العربية التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية وتربطها علاقات استراتيجية مع واشنطن.
وتسمح عدة دول عربية بوجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، وهو ما يمنح القوات الأمريكية القدرة على تنفيذ عمليات عسكرية في المنطقة انطلاقاً من هذه القواعد.
وبموجب الاتفاقيات العسكرية الثنائية، غالباً ما تتمتع القوات الأمريكية بقدر كبير من الاستقلالية في استخدام هذه القواعد، بما في ذلك تشغيل الطائرات الحربية وإدارة العمليات العسكرية.
ويرى التحليل أن هذا الواقع يطرح تساؤلات حول مفهوم السيادة في الدول التي تستضيف هذه القواعد، خصوصاً عندما تُستخدم أراضيها في عمليات عسكرية قد تؤدي إلى ردود انتقامية ضدها.
ويضيف أن دول الخليج تعتبر الهجمات الإيرانية انتهاكاً لسيادتها، لكنها في الوقت نفسه تسمح باستخدام أراضيها ومجالها الجوي في العمليات العسكرية ضد إيران.
وفي هذا السياق يطرح التحليل سؤالاً افتراضياً حول كيفية رد الدول العربية إذا استضافت إيران قواعد عسكرية روسية أو صينية تُستخدم لمهاجمة دول الخليج.
ويشير إلى أن التاريخ الإقليمي يظهر أن انهيار التوازنات العسكرية غالباً ما يؤدي إلى فترات طويلة من عدم الاستقرار.
فخلال العقود الماضية حاولت دول الخليج الحفاظ على نوع من التوازن بين القوى الإقليمية الكبرى مثل العراق وإيران لمنع أي طرف من فرض هيمنته الكاملة على المنطقة.
لكن الحرب الحالية قد تؤدي إلى تغيير هذا التوازن بشكل جذري إذا انتهت بإضعاف إيران أو انهيار نظامها السياسي.
كما يلفت التحليل إلى أن بعض الأنظمة العربية حاولت منذ ثمانينيات القرن الماضي إعادة تعريف التهديدات الإقليمية بحيث يتم تصوير إيران باعتبارها العدو الرئيسي للعالم العربي.
ويشير إلى أن هذه الاستراتيجية رافقت جهوداً سياسية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل بحجة مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة.
غير أن هذا التحول لم يؤد إلى تقليل التوترات الإقليمية، بل أدى في بعض الأحيان إلى زيادة الانقسامات والصراعات في الشرق الأوسط.
وفي ضوء الحرب الحالية يرى التحليل أن القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة قد تتحول من عنصر حماية إلى عامل خطر، لأنها تجعل الدول المضيفة أهدافاً مباشرة في أي مواجهة بين القوى الكبرى.
ويخلص التحليل إلى أن النقاش حول مصدر التهديد الحقيقي للعالم العربي سيظل مفتوحاً في ظل استمرار الصراعات الإقليمية وتعقيد التحالفات الدولية في الشرق الأوسط.




