تفاقمت معاناة مئات الآلاف من الفلسطينيين النازحين في قطاع غزة مع اشتداد العواصف الشتوية، في وقت يواجه فيه السكان أوضاعًا إنسانية قاسية تتسم بالبرد الشديد، والفيضانات، وانعدام المأوى الملائم، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية المشددة على إدخال مواد الإغاثة الأساسية.
ومع تدهور الأحوال الجوية، تحولت الخيام المهترئة إلى مصائد للمياه والبرد، بينما باتت آلاف العائلات تقضي لياليها في العراء دون وسائل تدفئة أو حماية كافية.
وتؤكد وكالات إغاثة دولية أن القيود المفروضة على المعابر الحدودية لا تزال تمنع دخول الخيام، والبيوت المؤقتة، والبطانيات، والملابس الشتوية، ومواد العزل، ما يترك المدنيين، خصوصًا الأطفال وكبار السن، عرضة لمخاطر صحية متزايدة.
وتشير هذه الوكالات إلى أن نقص مواد الإيواء لا يُعد نتيجة خلل لوجستي، بل نتيجة مباشرة لسياسات تقييد الوصول التي تحول دون الاستجابة الإنسانية الفاعلة.
وأعلنت الأمم المتحدة أن لديها إمدادات إغاثة جاهزة للتوجه إلى غزة، تشمل مواد إيواء ومستلزمات شتوية، لكنها لا تزال عاجزة عن إيصالها بسبب القيود الإسرائيلية المفروضة على الحركة والدخول.
وتوضح منظمات أممية أن هذه الإمدادات مكدّسة على الجانب الآخر من المعابر، فيما تتفاقم الأوضاع داخل القطاع مع كل يوم تأخير، ما يفاقم خطر وقوع وفيات مرتبطة بالبرد وسوء الظروف المعيشية.
ويأتي هذا التدهور الإنساني في وقت تشهد فيه الساحة السياسية تحركات دبلوماسية، إذ التقى رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن العاصمة، لبحث الجهود الرامية إلى تعزيز وقف إطلاق النار الهش في غزة.
غير أن الواقع الميداني يشير إلى فجوة واضحة بين المساعي السياسية والاحتياجات الإنسانية الملحة على الأرض.
فعلى الرغم من الهدنة المعلنة، واصلت القوات الإسرائيلية شن هجمات متفرقة داخل القطاع. وأفادت مصادر طبية بإصابة ما لا يقل عن 11 فلسطينيًا بجروح جراء غارات جوية استهدفت وسط مدينة غزة، ما يعكس هشاشة وقف إطلاق النار واستمرار المخاطر التي تهدد المدنيين حتى في فترات التهدئة.
وقد تحولت الكارثة الإنسانية في غزة إلى أرقام صادمة، إذ تقول السلطات الصحية الفلسطينية إن الهجمات الإسرائيلية أسفرت منذ أكتوبر 2023 عن استشهاد ما لا يقل عن 70,668 شخصًا، وإصابة 171,152 آخرين، في حصيلة تعكس حجم الدمار البشري والمادي الذي خلّفته الحرب.
ومع استمرار النزوح الواسع، يعيش مئات الآلاف في مخيمات مؤقتة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الآمنة.
في هذا السياق، حمّل الناطق باسم حركة حماس، حازم قاسم، الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية المباشرة عن وفاة أطفال فلسطينيين بسبب البرد القارس.
وأكد قاسم في بيان تلقت “قدس اليومية” نسخة منه، أن استمرار استشهاد الأطفال في غزة، وآخرهم طفل في خان يونس، نتيجة البرد والعيش في خيام غير صالحة للإيواء، يشكل “جريمة واضحة” ناتجة عن الحصار المستمر ومنع الإعمار بعد حرب الإبادة على القطاع.
وأشار قاسم إلى أن المناشدات المتكررة لإدخال إيواء حقيقي، يتمثل في بيوت مؤقتة وبدء عملية إعادة الإعمار، لم تحرك المجتمع الدولي، مضيفًا أن أطفال غزة “الذين كانوا يموتون بالقصف والنار، يموتون اليوم بسبب البرد”.
ودعا إلى تحرك دولي عاجل قبل تفاقم الكارثة وحدوث وفيات جماعية نتيجة انعدام الإيواء ومواد التدفئة.
كما وجّه قاسم نداءً إلى الإدارة الأمريكية والرئيس دونالد ترامب لممارسة ضغط فعلي على إسرائيل للالتزام باستحقاقات وقف الحرب، وفتح المعابر، والسماح بإدخال إغاثة وإيواء حقيقيين.
ومع استمرار العواصف الشتوية، تبدو غزة أمام اختبار إنساني قاسٍ، حيث يتقاطع البرد والمطر مع الدمار والحصار. وفي غياب تدخل دولي فعال يضمن إدخال مواد الإيواء ورفع القيود، يبقى مئات الآلاف من النازحين محاصرين بين أنقاض الحرب وقسوة الشتاء، في مأساة مفتوحة تهدد بمزيد من الخسائر البشرية.





