تشهد العاصمة السورية دمشق تطورات لافتة في علاقة النظام الجديد برئاسة أحمد الشرع مع الفصائل الفلسطينية، وسط مؤشرات قوية على انقلاب سياسي غير مسبوق على الموقف التاريخي لسوريا تجاه القضية الفلسطينية.
يأتي ذلك في ظل تواتر تقارير عن اعتقالات طالت قيادات فلسطينية مقيمة في دمشق، وقطيعة تامة مع فصائل المقاومة، بالتوازي مع تقارب متسارع مع إسرائيل، تجلى أخيراً في اجتماع سري بين الشرع ورئيس جهاز الموساد الإسرائيلي في أبوظبي.
وكشفت مصادر فلسطينية مطلعة أن أجهزة أمن النظام السوري نفذت خلال الأسابيع الأخيرة حملة اعتقالات طالت عدداً من كوادر فصائل فلسطينية، بعضها محسوب على حركات المقاومة، وشخصيات فلسطينية مستقلة كانت تنشط تاريخياً في الدفاع عن القضية الفلسطينية داخل سوريا.
ووفق المصادر، جرى استمرار احتجاز بعض المعتقلين فيما تم الإفراج عن بعضهم بعد تحذيرهم من أي أنشطة لها علاقة بدعم القضية الفلسطينية أو مناهضة إسرائيل في الساحة السورية.
قطيعة كاملة مع المقاومة
تحدثت المصادر ذاتها عن حالة غير مسبوقة من القطيعة بين النظام السوري وفصائل المقاومة الفلسطينية، إذ توقفت منذ عدة أشهر جميع اللقاءات التي كانت تعقد دورياً بين مسؤولي الأجهزة الأمنية السورية وقيادات الفصائل، كما أغلقت مكاتب إعلامية وتنظيمية للفصائل في دمشق، بعضها كان يعمل منذ عقود.
وذكرت المصادر أن النظام السوري أبلغ شخصيات فلسطينية بارزة بأن «سوريا ليست ساحة لأي نشاط عسكري أو سياسي ضد إسرائيل»، وأن المرحلة المقبلة تفرض سياسة «الانفتاح والتطبيع» في علاقات دمشق الإقليمية والدولية.
في المقابل، لم يصدر أي بيان رسمي من النظام السوري يعلن قطع العلاقة مع الفصائل، إلا أن مؤشرات الواقع على الأرض تؤكد تغيراً جذرياً في سياساته، خاصة مع تزامن هذه الإجراءات مع معلومات مسرّبة عن تقارب سوري – إسرائيلي يجري برعاية إماراتية.
لقاء سري في أبوظبي
في سياق هذا التحول الكبير، كشفت مصادر دبلوماسية عربية، الأسبوع الماضي، عن عقد لقاء سري في قصر الوطن بأبوظبي يوم الثامن من يوليو الجاري، جمع الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع ورئيس جهاز الموساد الإسرائيلي ديفيد برنياع، على هامش زيارة الشرع الرسمية إلى الإمارات.
وقالت المصادر إن اللقاء جرى بمبادرة إماراتية مباشرة، وبحضور مسؤولين أمنيين إماراتيين، بهدف بحث «أفق التطبيع» بين دمشق وتل أبيب، دون اشتراط أي تقدم في ملف حل القضية الفلسطينية أو الانسحاب من الجولان المحتل.
ووفق التسريبات، ناقش الشرع وبرنياع إمكانية فتح قنوات دبلوماسية غير معلنة، وتخفيف لهجة الخطاب السوري المعادي لإسرائيل في المنابر الدولية، مقابل حوافز اقتصادية وأمنية يقدمها الجانب الإسرائيلي، بتمويل إماراتي، منها استثمارات ضخمة في قطاعي الموانئ والطاقة في سوريا.
غياب أي تضامن مع غزة
تأتي هذه التطورات في وقت يتواصل فيه العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ أشهر، وسط سقوط آلاف الشهداء والجرحى، وتدمير واسع للبنية التحتية.
غير أن النظام السوري الجديد لم يصدر أي بيان إدانة للهجوم الإسرائيلي، ولا أبدى أي تضامن رسمي مع غزة، في خطوة وصفها مراقبون بأنها تكشف التوجه الجديد في سياسة دمشق الخارجية.
وقالت مصادر فلسطينية إن صمت دمشق تجاه المجازر الإسرائيلية في غزة أثار صدمة شديدة داخل الأوساط الفلسطينية، خاصة أن سوريا كانت تاريخياً تُعتبر داعماً مركزياً للمقاومة الفلسطينية، رغم ما شهدته علاقاتها مع بعض الفصائل من توترات خلال سنوات الأزمة السورية.
وفي حين تلتزم الفصائل الفلسطينية الصمت الرسمي حيال هذه التحولات، عبّرت شخصيات فلسطينية مستقلة عن قلقها من أن يؤدي انخراط النظام السوري في مسار التطبيع إلى التضييق الكامل على وجود الفصائل في سوريا، وربما إجبارها على مغادرة البلاد.
ويرى مراقبون أن ما يجري في دمشق يعكس تحوّلاً استراتيجياً غير مسبوق في الموقف السوري من الصراع العربي – الإسرائيلي، وأن الخطوات التي يقوم بها أحمد الشرع قد تفتح الباب أمام تسويات إقليمية جديدة، لكنها تهدد في الوقت نفسه بتصفية آخر ما تبقى من الإجماع العربي حول مركزية القضية الفلسطينية.





