أقال البيت الأبيض كبار المسؤولين في مجلس الأمن القومي الأميركي المسؤولين عن ملفات الشرق الأوسط وإسرائيل وإيران، في خطوة مفاجئة تعكس تحولات داخلية في توجهات الإدارة الأميركية، وسط سعي الرئيس دونالد ترمب إلى إعادة تشكيل الفريق المعني بالسياسة الخارجية وتقليص نفوذ ما يصفه مؤيدوه بـ”الدولة العميقة”.
ووفقًا لمصادر مطلعة تحدثت إلى موقع جويش إنسايدر، فإن الحملة شملت إريك تراجر، الذي كان يشغل منصب المدير الأول لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويُعد المسؤول الأبرز عن ملفات المنطقة، إلى جانب ميراف سيرين، التي تولت إدارة ملفات إسرائيل وإيران. ويُنظر إلى كليهما على أنهما من أبرز الأصوات المؤيدة لإسرائيل داخل الجهاز البيروقراطي المعني بصياغة السياسات الخارجية.
وقد تم تعيين تراجر وسيرين خلال فترة مستشار الأمن القومي السابق مايك والتز، الذي كان قد أُقصي من منصبه لاحقًا عقب تورطه في فضيحة داخلية تتعلق بتسريب معلومات إلى صحفي حول ضربات أميركية ضد الحوثيين. كما وُجهت إليه انتقادات من أوساط يمينية بسبب تعيينه عدداً من المحافظين الجدد الذين لا يتماشون مع توجهات الرئيس ترمب، حسب تعبيرهم.
رغم إقالة والتز حينها، تمكن تراجر وسيرين من البقاء في منصبيهما، لكن التحولات الأخيرة في البيت الأبيض أفضت إلى إقصائهما في إطار حملة أوسع لإعادة هيكلة مجلس الأمن القومي، شملت عشرات المسؤولين.
وتأتي هذه الخطوة في ظل صعود أصوات داخل الإدارة الأميركية تدعو إلى إعادة تقييم دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وتقليص الانخراط في ملفات تعتبرها بعض دوائر القرار مكلفة سياسياً واستراتيجياً، خاصة في ظل حالة الاستقطاب الداخلي المتصاعدة، وضغوط الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ويشغل ماركو روبيو حالياً منصب وزير الخارجية، بالإضافة إلى مهامه كمستشار للأمن القومي بالإنابة، وهو من أبرز مهندسي التعديلات الجارية داخل المجلس. ووفقاً لتقارير صحافية، فإن الفريق الجديد يسعى إلى التركيز على أولويات تعتبرها الإدارة أكثر ارتباطًا بالمصلحة الأميركية المباشرة، مثل احتواء الصين وضبط الحدود الجنوبية، بدلاً من الانخراط في صراعات الشرق الأوسط المعقدة.
وفي ما يتعلق بميراف سيرين، فقد سبق أن أثارت جدلاً واسعاً بعد انتشار مزاعم حول ارتباطها السابق بوزارة الجيش الإسرائيلية، ما دفع بعض النشطاء اليمينيين واليساريين إلى اتهامها بـ”الولاء المزدوج”. ورغم نفي هذه المزاعم بشكل رسمي، إلا أنها تركت أثراً واضحاً في قدرتها على التحرك بحرية داخل منظومة صنع القرار.
المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، براين هيوز، دافع سابقاً عن سيرين، مؤكداً أنها مواطنة أميركية خدمت في عدة مواقع حكومية، من بينها مع الرئيس ترمب والسيناتور تيد كروز والنائب جيمس كومر. وأوضح أنها لم تكن في أي وقت من الأوقات موظفة لدى وزارة الجيش الإسرائيلية، في محاولة لاحتواء الجدل الدائر.
أما تراجر، فقد عُرف بمواقفه المتشددة تجاه قوى المقاومة في المنطقة، وبعلاقاته الوثيقة مع دوائر ضغط مؤيدة لإسرائيل في واشنطن. وشكل وجوده في مجلس الأمن القومي أحد أعمدة سياسة البيت الأبيض التقليدية في الشرق الأوسط، لا سيما في ما يتعلق بالتصدي للنفوذ الإيراني وتوسيع اتفاقيات التطبيع العربي الإسرائيلي.
وبحسب تقارير أخرى، فإن المسؤولين الذين تم الاستغناء عن خدماتهم في مجلس الأمن القومي سيتم نقلهم إلى مواقع حكومية أخرى، دون تحديد ماهية هذه المواقع أو طبيعة الأدوار الجديدة التي سيضطلعون بها.
وتُعد هذه التغييرات مؤشراً جديداً على المسار الذي يسلكه الرئيس ترمب في ولايته الحالية، والمتمثل في إحكام قبضته على المؤسسات البيروقراطية الحساسة، وخاصة تلك التي لطالما اعتُبرت معاقل لتوجهات لا تتماشى مع خطابه الشعبوي وسياساته الانعزالية.
ومن المرجح أن تؤثر هذه الإقالات على توجهات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع تزايد التوترات في غزة، واحتدام المواجهة مع إيران، وتراجع الثقة في قدرة واشنطن على لعب دور الوسيط النزيه في النزاعات الإقليمية.
لكنها في الوقت ذاته تعكس رغبة الإدارة في تقديم وجه جديد للسياسة الخارجية، أكثر انسجاماً مع خطاب الحملة الانتخابية القادمة، وأقرب إلى القواعد الشعبية المؤيدة لتقليص التدخل الأميركي في الخارج.





